بنتي راحت تشوف نتيجتها في الثانوية العامة و رجعت منهارة!!, قومت من مكاني و انا بحاول اهديها, لقيتها بتصرخ و بتلطم علي وشها و هي بتقول "ازاي .. ازاي .. اجيب تلاتين في المية ازاي طيب", ضربت انا كمان علي وشي وانا بقول من الصدمة"يا خراااابي!!", في اللحظة دي بنتي وقعت من طولها مغمي عليها, مسكت نفسي بالعافية قبل ما اقع جنبها، وجريت عليها وأنا بصرخ وبنادي على جوزي: "يا صابر! الحقني يا صابر.. البت ضاعت مننا!" صابر جه يجري من الأوضة، وشها أصفر زي الليمونة لما شافها مرمية على الأرض. شالها معايا بالعافية وحطيناها على الكنبة، وبقيت ألطم وأبكي وأنا برش على وشها مية وبحاول أفيّقها. صابر كان إيده بترعش وهو بيمسك إيدها ويقيس نبضها، وهو مش فاهم حاجة وبيسألني بحشرجة في صوته: "في إيه يا نوال؟ إيه اللي حصل للبت؟ نتيجتها طلعت ولا إيه؟" رديت عليه وأنا مش قادرة ألقط نفسي من العياط: "البت جابت تلاتين في المية يا صابر! تلاتين في المية! فاطمة اللي مابينزلش اسمها من لوحة الشرف في المدرسة من صغرها! فاطمة اللي طالعة الأولى على الإدارة طول عمرها تجيب تلاتين في المية?!" صابر اتسمر مكانه، عينه وسعت من الصدمة ورجع خطوتين لورا وهو بيهز رأسه بلا.. "تلاتين إيه؟ إنتي بتقولي إيه يا ولية؟! دانا مدرس ومربيها على إيدي، البت دي مجاوبة في الامتحانات كلها كشكول أولاد ناس، دي كانت بتراجعي معايا الامتحان مادة مادة وتطلع مأنقصة نفسها درجتين بالعافية! دي جايبة المجموع ده في مادة واحدة ولا إيه؟!" في اللحظة دي، فاطمة بدأت تفتّح عينها ببطء، وبصت لنا بنظرة مكسورة تذبح القلب.. دموعها نزلت كأنها شلال، وقالت بصوت مجروح ومبحوح: "والله يا بابا حلّيت.. والله العظيم ورقتي اتظلمت.. والله ده مش مستوايا ولا دي درجاتي، أنا ضعت يا بابا.. ضعت!" صابر نزل على ركبه جنبها، مسك وشها بين إيديه وباس رأسها وهو بيحاول يتملك أعصابه رغم إن دموعه كانت نازلة مغرقة وشه. قالها بنبرة مدرس عارف قيمة بنته وعارف مستواها صح: "ششش.. اسحبي دموعك دي يا فاطمة.. أنا مربيكي وعارف مستواكي كويس، ومفيش طالبتي وبنتي اللي تضيع كده! والله لو حقك في بطن السبع لأجيبهولك.. دي ورقتك إنتي وتبدلت، أو حد علم غلط، والسنة دي مش هعديهالهم!" صابر قام وقف، ومسح دموعه بظهر إيده، وحصلت في عينه تحولة غريبة.. الخوف والصدمة اتحولوا لغل وغضب. مشي على مكتبه، فتح الدرج وطلع أوراق فاطمة، المراجعات، وشهادات التقدير بتاعة السنين اللي فاتت، وقال بصوت حاسم يزلزل البيت: "قومي يا فاطمة.. قومي اغسلي وشك وخليكي جبل زي ما عودتك.. بكره الصبح من بدري هنكون في الإدارة ومنها للوزارة.. وبكرة نشوف مين اللي حط إيده على مجهود بنتي وسرقه!".... لم تكن تلك الليلة ليلةً كباقي الليالي في بيت "صابر"، بل كانت أشبه بغرفة عمليات يُدار فيها حربٌ ضد الظلم. كان الهدوء الذي يخيم على الشقة هدوءًا يسبق العاصفة، يُقطعه فقط صوت تقليب الأوراق وحفيف الأقلام. جلس صابر على مكتبه الخشبي القديم، وأمامه فاطمة التي كانت عيناها محاطتين بهالات سوداء من أثر البكاء والإرهاق. على الطاولة، لم تكن هناك شهادات التقدير فقط، بل نشر صابر نموذج الإجابة الرسمي للوزارة بجانب صور من أوراق المراجعة التي كتبتها فاطمة بخط يدها فور خروجها من كل لجنة. بدأ صابر يراجع بتركيز شديد، ناطقًا بنبرة المعلم الصارم الذي يتناسى لبرهة أنه الأب المفجوع: — "انظري يا فاطمة.. المادة الأولى: الفيزياء. النموذج يقول الإجابة (ب)، أنتِ كتبتي (ب) مع الخطوات كاملة.. المادة الثانية: الكيمياء.. النموذج يطابق مسودتك بنسبة تسعة وتسعين بالمائة! كيف لتلميذة تحصد ثمانية وتسعين بالمائة في التقييم المبدئي أن تجد في شهادتها النهائية ثلاثين بالمائة؟ هذا ليس خطأ تصحيح.. هذا اقتلاع لروحٍ كاملة!" أقبلتُ أنا (نوال) وأنا أحمل كوبين من الشاي الساخن، ويداي ما زالتا ترتجفان. وضعت الكوبين ودموعي تتجمّع في عينيّ مجددًا: — "يا صابر.. الرعب يأكل قلبي. هل يعقل أن تكون ورقة فاطمة قد تبدلت مع طالب آخر؟ نسمع عن هذه الكوابيس في التلفاز، لكن هل يعقل أن تطرق بابنا نحن؟" نظر إليّ صابر بعينين جامدتين كالصخر، وقال بلهجة حاسمة: — "إن كانت قد تَبَدّلت، فوالله لن أستكين حتى أُعيد كل حرف كَتَبَتْه فاطمة إلى صاحبه الأصلي. القانون يمنحنا حق التظلم، ونحن لن نطلب رحمة من أحد، سنطلب حقنا المجرد. قم يا فاطمة، استريحي لساعتين، فالغد سيكون يومًا طويلًا لن نرحم فيه تهاونًا ولا تسويفًا." الفصل الثاني: صدمة في مديرية التربية والتعليم مع تباشير الفجر الأولى، خَرَجْنا من البيت. كانت الشوارع ما زالت تتنفس هواء الصباح البارد، لكن قلوبنا كانت تغلي. وصلنا إلى مقر مديرية التربية والتعليم قبل أن تُفتح الأبواب. كنا أول الواقفين، صابر يقف كالشجرة العتيدة، وفاطمة تستند إلى ذراعه، وأنا أتمتم بالدعوات وأقرأ ما تيسر من آيات القرآن الكريم. عندما فتحت الإدارة أبوابها، تدفق المئات من أولياء الأمور والطلاب المفجوعين. تعالت الأصوات، واختلطت صرخات الحسرة بنحيب الأمهات. دخلنا إلى الموظف المسؤول عن التظلمات، رجل أصلع تجلس على وجهه علامات الملل والإرهاق من كثرة الشكاوى. رمى الموظف نظرة سريعة على طلب صابر وقال بنبرة آلية خالية من أي مشاعر: — "ضع الملف هنا يا أستاذ، وادفع الرسوم في الخزينة، وانتظر دورك في جدول الاطلاع بعد أسبوعين." خطا صابر خطوة إلى الأمام، وضرب بكفه على المكتب ضربة خفيفة ولكنها كانت كافية ليجبر الموظف على الرفع بصرِهِ: — "أسبوعين؟! ابنتي حاصلة على ثلاثين بالمائة وهي الأولى على الإدارة لثلاث سنوات متتالية! ابنتي ورقتها سُرقت أو بُدّلت! أنا معلم وأعرف نظام الكنترول جيدًا، هذا ليس مجرد خطأ في جمع الدرجات، هذه الجريمة تُرتكب بحق طالبة ممتازة، والتأخير يعني ضياع مستقبلها في تنسيق المرحلة الأولى!" تأفف الموظف وزفر بغضب: — "يا أستاذ صابر، كل الناس هنا أولادهم أوائل وكل الناس تقول إن أوراقهم أُبدلت! الكنترول لا يخطئ بهذه السهولة، التزم بالدور ورجاءً لا تعطّل العمل." في تلك اللحظة، تدخّلت فاطمة، وبصوت نقي ومصمم رغماً عن بحته، قالت: لمحة نيوز — "حضرتك.. أنا لا أطلب حظوة ولا أطلب درجات رأفة. أنا أطلب أن أرى كراسة إجابتي بالباركود الخاص بي. إن كان هذا خط يدي وهذه إجابتي، سأصمت وأرضى بقضاء الله، ولكن إن كانت الكراسة ليست لي، فمن حقي أن أعرف أين ذهب جهدي!" تطلع الموظف في وجه فاطمة، ورأى في عينيها ثباتًا يختلف عن بؤس الآخرين، فرقق نبرته قليلاً وقال: — "يا ابنتي.. الأمر ليس بيدي هنا، التظلمات الورقية تُراجع في كنترول القطاع الرئيسي. استكملي الأوراق سريعا وسأرفع للجنة طلب استعجال لمراجعة الباركود بنفسي." الفصل الثالث: في قلب الكنترول.. اللحظة الحرجِة مرت الأيام الخمسة التالية وكأنها دهرٌ كامل. لم يذق أحد منا طعم النوم ولا الأكل. وفي الصباح الموعود، توجهنا إلى مقر الكنترول الرئيسي بالقطاع. كانت الإجراءات شديدة الصرامة؛ بوابات أمنية، تفتيش دقيق، ومظاهر جديّة تثير الرعب في النفوس. دخلنا إلى القاعة الكبرى المخصصة للاطلاع على أوراق الإجابة الضوئية (البابل شيت) وكراسات المقالي. جُهزت الطاولات، وجلس الموجهون الأوائل لمتابعة الطلاب. قادنا أحد المشرفين إلى طاولة أقصى القاعة، ووضع أمامنا ملفًا مغلقًا يحمل رقم جلوس فاطمة. قال المشرف ببرود: — "تفضلي يا طالبة.. هذه هي صور أوراق إجابتك المشفّرة. افحصي الباركود والخط، وأشيري إلى الأسئلة التي تعتقدين أن بها خطأ في التصحيح." فتحت فاطمة الملف برعشة في يدها. وما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى شهقت شهقة هزت القاعة بأكملها، وتراجعت إلى الخلف وهي تشير إلى الورقة بذهول وذعر: — "هذا... هذا ليس خطي! وهذه ليست إجابتي!! يا بابا الحقني!!" اندفع صابر كالأسد ونظر إلى الورقة. كانت الإجابات المكتوبة بخط اليد في الأسئلة المقالية ركيكة، مليئة بالأخطاء الإملائية الشنيعة، والخط ذو طبيعة عريضة ومائلة، بينما فاطمة تمتاز بخط رقاعي منتظم وجميل للغاية كالرسم! صرح صابر بصوت هادر زلزل أركان القاعة: — "أين رئيس الكنترول؟! أحضروا لي رئيس القطاع فورًا! هذه ليست ورقة ابنتي! هذا اعتداء صريح وزور وتدليس!" تجمع الموظفون والمشرفون حولنا بسرعة، وحاول الأمن تهدئة صابر، لكنه كان كالمجنون: — "لن أهدأ! ابنتي خطها معروف وشكليًا هذه الكراسة لطالب لا يعرف حتى كيف يكتب لغة عربية سليمة! كيف يوضع اسم ابنتي ورقم جلوسها على هذه المهزلة؟!" حضر رئيس الكنترول، رجل في الخمسينيات من عمره، يرتدي نظارة طبية ويتسم بالوقار. قال بنبرة هادئة محاولًا امتصاص الغضب: — "اهدأ يا أستاذ، نحن هنا لنقيم العدل. تعالوا معي إلى أوفيس الإدارة بعيدًا عن الطلاب." الفصل الرابع: خيط الحقيقة والرمز المفقود في مكتب رئيس الكنترول، ساد صمت رهيب. جلس صابر وفاطمة وأنا أمام المكتب، بينما كان رئيس الكنترول يفحص الأوراق بنفسه، ويقارن بين خط فاطمة في أوراق السنوات السابقة المقترنة بالملف، وبين الورقة المرفقة في التظلم. قال رئيس الكنترول وهو يعقد حاجبيه باستغراب: — " فعلاً.. الفرق في الخط واضح جدًا لا يحتاج لخبير خطوط.. لكن كيف حدث هذا؟ الباركود المطبوع على الورقة يطابق رقم الجلوس!" سأله صابر بذكاء المعلم الخبرة: — "أستاذنا الفاضل.. الباركود يُطبع أوتوماتيكيًا، ولكن أين الرقم السري (الاستيكر) الذي يُلصق فوق بيانات الطالب في لجنة السير وقبل التجميع؟ ألا يمكن أن يكون قد حدث تبديل في أوراق الغلاف أثناء عملية "التوريق" أو قطع السري؟" تغير وجه رئيس الكنترول، واستدعى فورًا مسؤول الحاسب الآلي وشؤون الطلاب بالكنترول، وأمرهم باستحضار أوراق المادة الأصلية (الفيزياء) المتروكة في المخازن المغلقة، وليس الصور الضوئية، لمطابقة رقم السري الورقي الأصلي. مرت ساعة كاملة ونحن ننتظر في ذلك المكتب، كانت كل دقيقة تمضي كأنها سنة. كانت فاطمة تطبق على يدي وتدعو بصوت خفيض: "يا رب.. أنت الحق ووعدك الحق، رد إليّ حقي ولا تشمت بي أحداً." وفجأة، فتح الموظف الباب ودخل وهو يحمل أوراقًا أخرى، ووجهه يفيض بالحيرة والارتباك. قال لرئيس الكنترول بصوت خافض: — "يا فندم.. حدث خطأ جسيم في لجنة السير بالمدارس التابعة لإحدى القرى.. أثناء تجميع كراسات الإجابة وترقيم السري، حدث تلخبط في ترتيب كراستين متتاليتين بسبب تشابه اسم فاطمة مع طالبة أخرى في نفس اللجنة تصادف أن اسمها "فاطمة أحمد..." وكان مستوى الطالبة الأخرى ضعيفًا جدًا، وتم دمج الغلافين بطريق الخطأ أثناء عملية التجليد والسري!" الفصل الخامس: انقشاع الغمة وانتصار الحق عندما سمع رئيس الكنترول ذلك، ضرب بيده على الطاولة بغضب شديد: — "استهتار يُدمر حياة الطلاب! كيف يمر خطأ كهذا دون مراجعة الشيت الورقي الأولي؟!" ثم التفت إلينا، وبدت على وجهه ابتسامة ارتياح واعتذار شديدين، وقال لفاطمة: — "مبروك يا فاطمة.. أوراقك الأصلية تم الوصول إليها وفحصها الآن من قبل اللجنة الفنية في المخزن. كراستك الحقيقية كانت تحمل إجابات نموذجية متكاملة." سقطتُ على الأرض ساجدة لله عز وجل، وبكيت بحرقة لكنها هذه المرة كانت دموع الفرح والارتياح. ارتمت فاطمة في أحضان صابر وهي تنتحب بصوت هز القلوب، بينما بكى صابر بحرارة وهو يرفع يديه إلى السماء ويقول: — "الحمد لله.. الحمد لله الذي لم يضيع أجر من أحسن عملاً.. الشرف لا يُسرق والحق لا يموت!" وبعد اتخاذ الإجراءات الرسمية العاجلة، وإعادة رصد الدرجات الحقيقية لفاطمة بحضور رئيس القطاع: حصلت فاطمة صابر على مجموع 97.5%، لتلتحق بالكلية التي طالما حلمت بها: كلية الطب البشري. في اليوم التالي، نشرت المديرية بيانًا رسميًا باعتذار علني وتعديل النتيجة، وتحويل المتسببين في هذا الخطأ الجسيم إلى النيابة الإدارية للتحقيق. رجعت فاطمة إلى بيتنا مرفوعة الرأس، محفوفة بحب ودعوات كل من عرفها. وقافلة الحق وإن تعثرت في طريقها بفعل الظلم أو الإهمال، فإنها لا بد أن تصل إلى وجهتها ما دام وراءها طالبٌ يعتمد على الله، وأبٌ يقف كالجبل لا يخشى في الحق لومة لائم. "وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ"