الظابط

الظابط إداني بالقلم.. وأنا واقفة في المحكمة وبصلي باحتقار وقال
اعرفي مقامك يا بت.. المكان ده مش ليكي ولا لأشكالك!
والظباط اللي وراه ميتين من الضحك.. وبيهزوا دماغهم وموافقين على كل كلمة.
أنا؟
لا اتعصبت.. ولا دمعة واحدة نزلت مني.
بس بعد 30 ثانية بالظبط.. كانت هتحصل حاجة تطيّر مستقبله وتوديه في داهية.
اسمعي يا زبالة الشارع.. إنتي فاكرة نفسك في مركز شباب؟ هنا مفيش حد زيك ييجي يفرض شروط علينا!
صوت الظابط محمود الشرس كان جايب آخر الطرق بقلة أدبه، وهو واقف بجسمه الضخم قدام بنت صغيرة لابسة بدلة قديمة وشكلها غلابة وعلى قد حالها.
والظباط اللي وراه صف واحد، بيبصولها بتريقة وكأنها حشرة.
مايا رفعت عينيها وبصتله بكل برود وقالت
أخويا ليه حق.. ومش هتحرك من هنا غير لما آخده.
محمود ضحك بصوت عالي وقال
أخوكي؟! ده خد اللي يستاهله.. واحد بلطجي وغار في داهية!
وقرب منها أكتر وهو بيحاول يكسر عينها
لو أمك كانت عرفت تربي.. مكنش زماننا بننضف ورا القرف بتاعكم ده!
وفجأة.. راح زاقق الورق من إيديها، رمى كل حاجة على الأرض.. وداس بجزمته على صورة أخوها وهو ميت.
وبص في عينيها وقال
اعرفي مقامك كويس.. المكان ده بتاعنا إحنا وبس.
والضحك زاد أكتر من اللي وراه.
بس مايا فضلت واقفة مكانها.
ثابتة زي الجبل.
مكسورة؟ تؤ.. ولا اتهزت.
اللي محمود ميعرفوش.. إن البنت اللي قدامه دي مش مجرد أخت محروق قلبها.
دي عضوة في مجلس النواب.
ومتخرجة

من أكبر جامعة في البلد.
ده غير إنها بطلة قتال وبتاعة كاراتيه.
والمحكمة اللي هو فاكر إنها بتاعته.. كانت بعد لحظات هتتشقلب عليه هو شخصياً.
المحكمة كانت زي خلية النحل.. صحافة وكاميرات في كل حتة، وعربيات قنوات مالية الشارع.
القضية النهاردة تقيلة.. وقانون جديد ممكن يهد ناس فاسدة كتير زيه.
وهو فاكر إنه بيكسر بنت ضعيفة.. ميعرفش إنه بيمضي على نهايته بإيده.
مايا نزلت على ركبتها بكل هدوء.. ولمت الورق اللي اترمى، ولا كأن في حاجة حصلت.
الكل كان فاكر إنها خلاص انكسرت وهتمشي تعيط.
لكن الحقيقة؟
كانت بتعد الثواني في سرها.
واحد..
اتنين..
تلاتة..
رفعت عينيها وبصت لمحمود ببرود غريب، وقالت بصوت واطي بس يسمّعه
إنت خلصت اللي عندك؟
محمود اتفاجئ من رد فعلها.. وبص للي وراه وهو بيضحك
إيه يا جدعان؟ البت شكلها هتعيط وتصعبنا عليها ولا إيه؟
بس قبل ما يكمل ضحكته الصفرا دي..
باب القاعة اتفتح بوقعة هزت المكان..
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
باب القاعة الرئيسية لم يكن مجرد باب يُفتح بطريقة عادية؛ لقد اندفع بقوة جعلت المفصلات المعدنية تُصدر صريخاً أخرقاً تردد صداه في الطرقات الرخامية الممتدة.
لم يكن الداخل مجرد شخص آخر يمر من بوابة المحكمة، بل كان الحرس الخاص برئاسة المحكمة، يتقدمهم رجل الخفر بالزي الرسمي الناصع، وخلفه موكب ضخم يضم رئيس النيابة الإدارية، ومدير أمن المحافظة بنفسه، ورئيس التفتيش الشرطي، ومجموعات متراصة من المصورين والصحفيين الذين انطلقت فلاشات كاميراتهم كالعاصفة الضوئية التي أضاءت ظلمات الممر.
توقفت ضحكات الضباط في حلوقهم كأنما سُحبت الأنفاس من أجسادهم دفعة واحدة. محمود الشرس، الذي كانت ابتسامته العريضة الخبيثة تملأ وجهه الضخم منذ لحظة واحدة، تجمدت ملامحه. يده التي كانت ترتفع بصلف استقرت في الهواء لثوانٍ قبل أن تسقط بجانبه بشكل آلي.
من بين الجموع الغفيرة، تقدم رجلٌ متقدم في السن، يرتدي وشاح القضاء الأسود والمذهب، وملامحه تحمل صرامة أجيالٍ تليدة من رجال القانون. كان هذا القاضي الجليل عبد الحميد بك الجمال، رئيس المحكمة الاقتصادية والجنائية العليا.
ولكن القاضي لم يتجه نحو المنصة، ولم ينظر حتى إلى الضباط المصطفيين كالأواني الفراغية. بل خطى خطوات متزنة وواثقة مستقيمة نحو البقعة التي تقف فيها مايا.
انحنى القاضي الجليل وهو الرجل الذي يخشاه كبار رجال الدولة بوقار شديد، ومد يده ليصلح أطراف الورق الذي كانت مايا تجمعه ببراعة من على الأرض. ونظر إلى الصورة التي كانت تحت جزمة محمود، التقطها بيده ونفض عنها الغبار بجلباب وشاحه، ثم قدمها لها قائلاً بصوت نزل كالصاعقة على مسامع الجميع
حقك علينا يا سيادة النائبة.. مصر كلها تعتذر لكِ عن جهل هؤلاء وعن هذه المهزلة التي حدثت في حرم العدالة.
الانهيار الكبير سكون ما قبل العاصفة
ساد القاعة صمتٌ خادق، صمتٌ من ذلك النوع الذي يسبق الانفجار الذري.
هبطت كلمة يا سيادة النائبة على أذن محمود كأنها طلقة رصاص عابرة اخترقت جمجمته. شعر ببرودة مفاجئة تسري في أطرافه. انقبضت معدته، وبدأت رؤيته تتشوش.
نائبة؟
هذه الفتاة المصفرة الوجه، التي ترتدي بدلة قديمة بسيطة لا تحمل أي علامة تجارية فاخرة؟
هذه التي نعتها منذ ثوانٍ ب زبالة الشارع؟
التفت محمود بنظرات مذعورة نحو الضباط الذين كانوا خلفه قبل قليل يضحكون بملء أشدقهم. أدرك في تلك اللحظة أنهم جميعاً قد تراجعوا خطوة إلى الخلف، مبتعدين عنه وكأنه مصاب بمرض مصيري كاسح. الضحك التافه تحول إلى وجوم مرعوب، والوجوه المحمرة بفعل الهزء أصبحت شاحبة كالموتى.
وقفت مايا بكل ثبات. لم تبتسم، لم تظهر عليها أي علامات التشفي، بل ظلت عيناها النافذتان تحتفظان بنفس البرود القاتل. أخذت الصورة من يد القاضي الجليل، مسحتها بسبابتها، وضعتها في الجيب الداخلي لسترتها القديمة بالقرب من قلبها، ثم رفعت رأسها بثقة تتعدى سنها الصغير بكثير.
قالت مايا بصوت رخيم، واضح، يصل لكل زاوية في الطرقات المكتظة
سعادة المستشار.. المكان ده مش ملك لحد. المكان ده ملك للقانون اللي بيحمي الغلبان قبل المسؤول. بس الظاهر إن في ناس هنا نسيت القانون، وفكرت إن البدلة الرسمية يد تطلق للبطش والتنكيل.
تقدم مدير أمن المحافظة، والعررق يتصبب من جبينه رغم التكييف المركزي القوي في المبنى. اقترب من مايا بصوت مرتعش
سيادة النائبة مايا.. أرجوكِ، هذا تصرف فردي لا يعبر عن المؤسسة. نحن هنا لنخدم القانون ولن نرضى
لمحة نيوز

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *