زينب
عدت شهور على خروجهم، والبيت بقى كأنه بيت مهجور رغم إن الكل عايش فيه. الخناقات بين السلايف ولعت أكتر؛ اللي كانت واخدة على الراحة مبقتش طايقة تطبخ ولا تغسل مدخل العمارة، وولادهم اللي كانوا متنمرين بقوا يتخانقوا مع بعض ليل نهار بعد ما لقوا مفيش حد ضعيف يمارسوا عليه قسوتهم.ابني التاني والتالت بدأوا يحسوا بالفرق، أكلهم مش جاهز، بيوتهم مكركبة، والجو في البيت بقى سم وغل. في يوم قعدوا معايا وقالولي: “يا أمي ما تكلمي أخونا يرجع، البيت فضي والعيشة بقت جحيم”. بصيتلهم بمرارة وقولت: “إنتوا مش عايزين أخوكم يرجع، إنتوا عايزين الخدامة اللي كانت شايلة وساكتة هي اللي ترجع، بس خلاص، اللي كان شايل الحمل ومستحمل الإهانة عشان خاطرنا مشي ومش هيرجع”.
عرفت من بعيد إن ربنا فتحها على ابني الصغير وزينب، ربنا رزقه بشغلانة أحسن، وابنهم دخل مدرسة كويسة وبقى متفوق ووشه منور بعد ما بعد عن القهر والكلام اللي يكسر النفس. زينب فتحت مشروع صغير من بيتها، وكل الناس بقت تشكر في ذوقها وأصلها وطيبتها.وفي يوم العيد، كنت قاعدة لوحدي بعد ما سلايفها كل واحدة فيهم خدت عيالها وراحت عند أهلها وسابوني وحيدة في شقتي. الباب خبط، قومت بلهفة وافتكرت إن حد افتكرني، فتحت لقيت ابني الصغير واقف ومعاه ابنه لابس لبس العيد وجايبلي علبة كعك.
ابني باس راسي وقالي: “كل سنة وإنتِ طيبة يا أمي”.مديت إيدي للواد، قرب وسلم عليا وباس إيدي، بس نظرة عينه مكنتش زي زمان، كانت نظرة حد واثق في نفسه ومش مكسور، بس في نفس الوقت بعيد. دورت بعيني وراهم، ملقيتش زينب. ابني فهم اللي في بالي وقالي بهدوء: “زينب بتقولك كل سنة وإنتِ طيبة يا حجة، بس طلبت مني أعفيكِ وأعفيها من المقابلة، عشان مفيش كلام يتقال يرجع اللي راح”.مشوا وسابوني للسكوت اللي مبيفارقش البيت، وقعدت أبص للعلبة المقفولة قدامي، وعرفت إن الكرم لما ييجي من حد إنت ظلــ,,ـــــمته، بيبقى وجعه أشد من الإهانة، وإن الحساب في الدنيا قبل الآخرة.
مرت السنين وبقى العجز ينهش في عضمي يوم بعد يوم، والبيت اللي كنت مفكراه عزوة وعمار اتهد على روس أصحابه. سلايفها اتطلقوا؛ كل واحدة فيهم ملقيتش اللي يخدمها ولا يشيل عنها، وبانت حقيقتهم المرة لما الفلوس قلت والمسؤولية زادت، فسابوا البيت وخربوا عيشة ولادي ومشوا. ولادي الكبار كل واحد فيهم اتلهى في مشاكله وهمومه، وبقيت مرمية في شقتي بالساعات ومحدش بيعبرني ولا يمدلي كباية مية إلا بقرف وتأفف.