بعد حين
– قولتلك هستناك ولو بعد عشر سنين
بصيلي لآخر مرة وقالي بحب مع عزم
= وأنا هخترك ولو بعد عشر سنين
ومشي بعد محاولات كتير من المحاربة عشاني، اتقدملي بعد المرة ألف، وكل مرة بابا كان بيرفضه، يمكن كان رفض بابا الاكبر إنه لسه في بداية مشواره، ومحتاج طريق طويل، واللي ممكن مطلبات الحياة الرفاهية متكونش متوفرة لبنته
من وجهة نظر بابا فعنده كل الحق في خوفه عليا، لكن مش كل القرارات ممكن تكون صح، وأنا كنت في الحقيقة بين طرفين علىٰ حق، بابا اللي خايف عليه، وعيسىٰ اللي مالهوش ذنب في ظروفه اللي بيحاول يعدلها، ويحسنها، وإنه مطلبش غير فرصة واحدة يثبت بيها نفسه
أنا وعيسىٰ ماكنش لينا كلام مع بعض تمامًا، ولكن كانت مجرد نظرات، وإعجاب من بعيد، والحقيقة إني احترمت منه صراحته، وإنه طلب رقم بابا واتقدم..
أنا كنت شايفة إن عيسىٰ شخص مناسب جدًا، وكنت فعلًا بتمنىٰ إن ربنا يوفقنا ونكون لبعض
وعدت الأيام، والشهور وأنا مازالت زي ما أنا، برفض كل اللي يجي بحجة إنه مش مناسب، فقالتلي أختي بزهق
: لحد امتىٰ هتفضلِ كده؟
قولتلها باستنكار كده
= هفضل كده أزاي يعني؟ مش فاهمة
ضربتني علىٰ رجلي كده بخفة وقالتلي بفهم كده
: مش هتلفي وتدوري عليه يا بت، لحد امتىٰ هتفضلِ بتضحكِ علىٰ نفسك بإن كل حد فيه عيوب الدنيا فهو مش مناسب؟
اتنهد وقولتلها بثقة في الله
= لعل الله يُحدث بعد ذلك أمرًا
الضغط كان بيزيد يوم بعد يوم، كل قعدة عائلية لازم يتفتح نفس الموضوع “البنت كبرت” “ما ترفضيش كل حد” “الفرص مبتستناش”
كنت بابتسم في هدوء، وأغير الكلام، لكن من جوايا كنت بتعب، لحد ما جه شخص، كل الناس كانوا شايفينوا مناسب، وأهلي لأول مرة أحس إنهم متحمسين بالشكل ده
فبابا قالي بهدوء وهو بيبصلي
: شوفيه.. استخيري، ولو ارتحتي نكمل
استخرت، وحاولت أقنع نفسي إن الحياة عقل، وإن القلب بيتعود، ووافقت علىٰ قراءة الفاتحة
وفجأة.. لقيت نفسي وسط تجهيزات أنا صاحبتها!
لكني مش حاضراها
كل الناس بتقيس فساتين، وتختار ألوان، وتضحك، وأنا كل ما أمسك قطعة قماش، أحس إنها تقيلة في إيدي
أختي كانت بتضحك وهي بتقولي
: ده يومك يا خديجة اللي بتحلمي بيه
فكنت أبتسم ابتسامة صغيرة، وأقولها ببهتان
= عندك حق
لكن جوايا كان فيه صوت بيقولي “مش ده”
ويوم ما جينا نختار الدهب، وأنا بقيس خاتم، رفعت عيني لقيت بابا واقف بعيد، بيبصلي بس، أول مرة أحس إنه بيقرأ ملامحي من غير ما أتكلم
فقرب مني وقالي بهدوء
: مبسوطة؟
اتجمد الكلام في زوري، وحاولت أضحك، لكن الضحكة طلعت مكسورة، فنزل بابا بعينه علىٰ إيدي اللي كانت بترتعش وأنا ماسكة الخاتم، وسكت، سكتة طويلة
وبعدين قال للبائع
: معلش.. مش هناخده
بصيتله بذهول فخرجنا من المكان، وإحنا ساكتين، ركبنا العربية، وفجأة لقيته ماسك إيدي، ودي كانت من المرات النادرة جدًا اللي بابا يعملها
وقالي بصوت كله حنان
: أنا خوفي عليكِ عمره ما كان أهم من سعادتك
نزلت دموعي من غير ما أعرف أمنعها
فكمل وقالي
: أنا كنت فاكر إني بحميكِ، لكن شكلي كنت بحارب رزقك بإيدي
حضنته وأنا بعيط زي الأطفال، وقولتله
= والله يا بابا.. أنا عمري ما زعلت منك
فقالي وهو بيمسح دموعي
: وأنا مش هزوج بنتي إلا وهي داخلة بيتها وقلبها راضي
وبلغ أهل العريس إن مافيش نصيب، طبعًا أمي ماكنش عاجبها الوضع، وحصلت خناقة بين بابا وماما بسببي، وكلام من إنه “خسرها، ما أنت مدلعها” وغيره من الكلام وسط الخناق، المهم بعد كام يوم أمي تقبلت عادي، لكن كان فيه زعل كده بسيط وزال مع الأيام
وعدت شهور، وكنت خلاص سلمت أمري لله
ويوم الاتنين إجازة بابا، كان يوم هادئ، بلغني بابا إن في ضيوف مهمين أوي جايين، فحضرنا نفسنا وصبطنا البيت
فغمزلي بابا وقالي
: هتدعيلي
اللي جيه في دماغي وقتها إن حد من قريبنا أو صحابي أو كده
المهم رن جرس البيت، فتحت أختي، وبعد ثواني سمعتها بتنادي بصوت متفاجئ وبتقول
= بابا! عيسىٰ جه
قلبي وقف، ونزلت بصمت، ووقفت بعيد، كان واقف بنفس الوقار، لكن المرادي كان مختلف، وشه أنضج، نظرته أهدىٰ، وفيها طمأنينة غريبة
وقال لبابا
_ حضرتك طلبت مني زمان أثبت نفسي، وأنا رجعت بعد ما عملت اللي أقدر عليه، أنا دلوقت دكتور متخصص، والحمد لله فتحت أول عيادة ليا، ولسه الطريق طويل، لكن المرادي جاي وأنا مطمن إني أقدر أصون بنت حضرتك
بابا بصله نظرة طويلة، وطول عمره لما يسكت أعرف إنه بيفكر بقلبه
وفجأة ابتسم وقال الجملة اللي عمري ما هنساها
: المرة دي.. أنا اللي بطلبك لبنتي
غطيت وشي بإيديا من كتر الكسوف والعياط، وكنت بحمد ربنا في كل نفس
وافتكرت يومها لما قالي
_ “هستناك ولو بعد عشر سنين”
ووعده طلع صادق
وعدت السنين، وفي كل مرة كنت ببصله وهو خارج من البيت لشغله أحمد ربنا
وفي يوم قررنا نخرج، لكن جاله حالة فروحنا علىٰ العيادة، كان واقف قدام عيادته الكبيرة، والناس داخلة وطالعة بتدعيله
وأنا واقفة شايلة بنتنا الصغيرة، وابننا هو شيله في إيده وهو بيضحك
خلص ومشينا، فبصيلي عيسىٰ وقالي
_ فاكرة يا خديجة؟
ابتسمت وأنا ببصله وبقوله
= فاكرة
فقالي وهو بيضحك
_ كنت خايف أحارب علىٰ الفاضي
قولتله وأنا بمسك إيده
= وسبحانه! كل دقيقة انتظار كانت تستاهل النهاية دي
رفع بنتنا وشالها، وابننا كان بيجري حواليه، وأنا واقفة أتأمل المشهد الدافئ اللي اتمنته، وافتكرت كل دمعة، كل دعوة في قيام الليل، كل مرة قولت فيها ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾.
وفهمت معناها بعيني قبل قلبي، أحيانًا ربنا بيؤخر الأمنيات؛ مش لأنه منعها، لكن لأنه بيكتب لها أوقت أجمل، وقلوب أنضج، وحياة أوسع مما كنا نتخيل
يومها بصيت للسماء، وابتسمت من كل قلبي وقولتله بهمس
= الحمد لله لأن اختيار الله كان أحن من استعجالي، وأجمل من كل ما تمنيت
فضل عيسىٰ ساكت شوية، وهو بيبصلي بنفس النظرة اللي عمرها ما اتغيرت
وبعدين ابتسم وقالي
_ تعرفي أكتر حاجة كنت بخاف منها إيه؟
هزيت رأسي بالنفي فقالي وهو بيبص قدامه
_ إني أرجع بعد السنين دي كلها، وألاقي قلبك سبقني
ابتسمت وأنا بضم إيد بنتنا الصغيرة وبضمها، وبقوله بهدوء
= وأنا كنت بخاف إنك تيأس
ضحك ضحكة خفيفة وقالي
_ كنت كل ما أتعب في الامتياز، أو أسهر ليلة في المستشفىٰ، أو أرجع البيت وأنا مش قادر أقف علىٰ رجلي أفتكر إني وعدتك
سكت لحظة، وكمل وقال
_ ماكنتش بحارب عشان أتزوج وخلاص، إنما كنت بحارب عشان أكون راجل يستحق يقف قدام أبوكِ للمرة المليون
بصيتله، ولأول مرة حسيت قد إيه الايام دي كانت تقيلة عليه هو كمان، أنا كنت شايفة دموعي بس، لكن ماكنتش شايفة سهره، ولا تعبه، ولا المرات اللي يمكن رجع فيها أوضته مكسور، وقال: “يا رب متخلينيش أضعف وقوني”
مديت إيدي أمسك إيده، وقولتله بابتسامة امتنان
= ربنا ماضيعش تعبك يا دكتور عيسىٰ
رد بسرعة وهو بيبصلي وقالي بصدق
_ ولا ضيع صبرك
ساعتها ابني شد قميصه بتاعته وهو بيقول ببراءة
= بابا هنروح فين دلوقت؟
نزل عيسىٰ لمستواه، شاله، وباس رأسه وقال بخنية
_ هنروح عند جدو
ضحكت وأنا بقوله
= كل ما تخلص شغل أول مكان بتفكر فيه بيت بابا
بصلي وقال بمنتهىٰ الصدق
_ أقدر أنسىٰ؟ أنسىٰ الراجل اللي رباني بكلمة رفض؟
استغربت كلامه، فابتسم وكمل وقالي
_ زمان كنت فاكر إن رفضه ظلم، لكن بعدين فهمت إنه كان بيختبرني، لو كان وافق وأنا لسه ضعيف يمكن كنت هقصر معاكِ، ويمكن أول أزمة كانت هتكسرنا، لكن الشهور دي علمتني أستحمل وأتعب، وأبني نفسي، عشان كده أنا أول واحد مدين لأبوكِ باعتذار وشكر
فابتسمت بصمت، لحد ما وصلنا بيت بابا، وأول ما نزلنا من العربية، جري الولاد عليه
بابا فتح دراعاته وهو بيضحك، وشال حفيدته، أما حفيده عُدي فكان متعلق في رجله وهو بيحكيله عن لعبته الجديدة
وقفت أتأمل المشهد بحب، بابا اللي كان في يوم سبب أكبر وجع في قلبي، النهاردة أحد أكبر أسباب سعادتي
قربت منه، وبوست رأسه
فقالي باستغراب
: مالك يا بنتي؟
ابتسمت وسط دموعي، وقولتله
= كنت جاية أشكرك
ضحك وقالي
= علىٰ إيه؟
قولتله وأنا ببص لعيسىٰ وهو بيلعب مع الولاد
= لأنك علمتني إن الرزق الحقيقي عمره ما هيضيع، وإن اللي ربنا كاتبه هييجي، حتىٰ لو كل الأبواب اتقفلت
رفع بابا عينه للسماء وقال بصوت خافت
: الحمد لله، الحمد لله الذي يجبر قلوبنا جميعًا
فبصيت للسماء أنا كمان، وافتكرت إن في يوم كنت فاكرة إن حياتي وقفت عند كلمة “لا”، لكن الحقيقة إن “لا” دي كانت الطريق لأجمل “نعم” كتبها ربنا لعمري كله
بعد الغداء، اقترحت ماما نقعد كلنا في الجنينة قبل المغرب، والولاد كانوا بيلعبوا حوالينا، أما بابا فكان ماسك المصحف، وبص لعيسىٰ وقاله بابتسامة
: بما إنك بقالك فترة بتحضر درس التفسير في المسجد ما تيجي تسمعنا النهاردة حاجة استفدتها؟
ابتسم عيسىٰ وقاله
_ حاضر يا عمي، بس لو أخطأت صححلي
ابتسم بابا وهز رأسه ففتح عيسىٰ المصحف، وقاله
_ آخر درس حضرته كان عن سورة الممتحنة، وحقيقي حسيت إنها من السور اللي كل واحد فينا محتاج يعيشها، مش يقرأها بس
سأله أخويا الصغير وقاله
: وليه اسمها الممتحنة؟
فقاله عيسىٰ بود وهو مبتسم
_ لأنها ذكرت امتحان المؤمنات اللاتي هاجرن من مكة إلىٰ المدينة، فقال تعالىٰ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾
يعني كان لازم يُتأكد من صدق هجرتهن، هل خرجن فعلًا لله؟ أم لسبب آخر؟ ولذلك سميت السورة بالممتحنة
فقاله بابا باختبار
: طيب وهل تعرف إمتىٰ نزلت؟
رد عيسى علىٰ بابا بكل تلقائية وقاله
_ سورة الممتحنة سورة مدنية، ونزلت بعد صلح الحديبية، في الفترة اللي كان فيها تعامل المسلمين مع أهل مكة بقىٰ فيه تفاصيل وأحكام جديدة، خصوصًا بعد المعاهدة، وفيها كمان قصة الصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه
سألته باهتمام وقولتله
= هو حاطب اللي بعت رسالة لقريش؟
هز رأسه وقالي بحكمة
_ أيوه، لكنه ماعملش كده لأنه خان الإسلام، إنما خاف علىٰ أهله اللي كانوا في مكة، فعاتبه الله، ومع ذلك شهد له النبي ﷺ بالإيمان، وقال عنه إنه من أهل بدر، وده يعلمنا إننا منستعجلش في الحكم علىٰ الناس، وإن المؤمن قد يُزل، لكن ده لا يعني إنه خرج من الإيمان
قاله بابا وهو بيهز رأسه بفخره بعيسىٰ
: سبحان الله، الدين بيعلمنا العدل حتىٰ في الحكم علىٰ المخطئ يا دكتور
ابتسم عيسىٰ، وقال لبابا
_ وأجمل حاجة في السورة بالنسبالي يا عمي إنها بتوازن بين الثبات والرحمة
وقرأ عيسىٰ وقال، قال تعالىٰ: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
وكمل يوضح معناها وقال بتفقه
_ الآية دي بترد علىٰ أي حد بيظن إن الإسلام بيأمر بظلم غير المسلم، بالعكس، ربنا أمر بالبر والعدل مع من لا يحارب المسلمين، لكن في نفس الوقت نهىٰ عن موالاة من يحارب الدين ويعتدي علىٰ أهله
سكت لحظة، وابتسمت وعيسىٰ بيبصلي وبيبص لبابا وقال بحنية
_ وفي درس عملي أنا شخصيًا اتعلمته من السورة
بصيناله منتظرين منه شرحه وطريقة كلامه اللي ميتملش منها
فقال بملاذ كده
_ المؤمن أوقات بيُمتحن في مشاعره، وأوقات في رزقه، وأوقات في الشخص اللي بيحبه؛ ولو نجح في الامتحان، ربنا بيعوضه بأحسن مما كان يتخيل، يعنس أنا وقت ما عمي رفضني، كان قدامي طريقين، يا أزعل وأعترض علىٰ قدر ربنا، يا أعتبرها فترة امتحان أشتغل فيها علىٰ نفسي، والحمد لله ربنا اختار لي الطريق الأحسن
بصيت لبابا، فلقيته مواطي رأسه، وعينه بتلمع بالدموع
فقاله بهدوء
: وأنا كمان كنت في امتحان، امتحان بين خوفي علىٰ بنتي، وبين حسن ظني بربنا
ابتسم عيسىٰ بمودة وقاله
_ وكلنا خرجنا من الامتحان ده بدروس عمرها ما هتتنسىٰ
وفجأة سكتنا بصمت جميل، مش بيشبه صمت انقطاع الكلام، بل صمت امتلاء القلوب بالحب
قفل بابا المصحف، وقالع وهو بببصلنا
: اللي يتدبر القرآن، هيلاقي إنه مش بيحكي عن ناس زمان وبس، ده بيحكي عن حياتنا إحنا، وكل سورة فيها امتحان، يعني سورة الممتحنة بتعلمنا إن أصعب امتحانات الدنيا، إذا صبر العبد فيها واتقىٰ الله، كانت بدايته لأجمل عطايا الله
فجأة لقينا بابا بيقول
: آه
بصينا لقينا عُدي بصوته البرئ بيجري وبيقول لجده
* لازم تستخبىٰ يا جدو من الحرب اللي هتحصل دلوقت
ضحكنا كلنا، وعيسىٰ قاله بحور الهزار
_ وأنا مستعد يولاد أكون ضدك في الحرب
فقاله عُدي بصوته البرئ
* مش هتقدر تكسبنا يا حلو، أنا وجدو هنبقىٰ في فريق
ضحكنا، وبدأو يلعبوا معا في جو عائلي دافي♡””
الحكاية؟ كنت فيها.. وكنت هي