ثمن القناع الجزء الاول حكايات مني السيد
بيبص على رجليه ومش مصدق، بيقولها يا ماما الكوتشي ده سريع أوي، بيجري لوحده!. رجعت اشترت خضار وفاكهة وفراخ، وملت شنطة صغيرة وطلعت شقتها.
عملت أكل حلو للعيال، وسابت التلاجة الكبيرة فاضية زي ما هي، وحطت الأكل الجديد في رف مخفي في التلاجة الصغيرة اللي في البلكونة اللي طارق مبيفتحهاش أصلاً.
الساعة اتنين الضهر، اتصلت برقم ألو.. أستاذ مجدي؟ أنا بسمة، بنت الحاج شاكر، ساكنة في شقة الدور الرابع في عمارة المهندسين. أهلاً يا بنتي، إزيك وإزاي الوالدة الله يرحمه والولاد؟ الحمد لله يا عم مجدي.. أنا كنت بكلمك بخصوص عقد الشقة، فاكر لما قولتلك من ست شهور إني عايزة أجدده لسنتين قدام؟ طبعاً يا بنتي، إنتي بنت الغالي والشقة شقتك، هو الباشمهندس جوزك هيعدي يدفع التجديد؟ لا يا عم مجدي، أنا اللي هدفع كل حاجة، بس عندي طلب صغير.. العقد يفضل باسمي زي ما هو، وعايزة نسخة جديدة مختومة من حضرتك بكرة ضروري، عشان بقدم على ورق للعيال. من عيني يا بنتي، بكرة العصر تكون عندك ومعاها إيصالات السداد كلها.
قفلت المكالمة، وبعدها علطول كلمت الأسطى حربي، نجار المنطقة اللي كان بيعمل شغل لأبوها زمان أيوة يا أسطى حربي.. عايزاك تجيلي يوم الجمعة بالليل، بعد صلاة العشا بشوية.. ومعاك كالون جديد للباب المصفح، نوع تركي نضيف، وعايزاك تغير الكالون في عشر دقايق. من العين دي للعين دي يا ست بسمة، تؤمري.
يوم الخميس
طارق رجع البيت متأخر، كان مهدود من الشغل بس عينه بتلمع بالانتصار. دخل وفي إيده كيس كبير رماه على السفرة بإهمال خدي يا ستي، جبتلك نص كيلو جبنة رومي ورغيفين فينو من الفرن عشان ماتقوليش إني مقصر.. بكرة الجمعة، اليوم الموعود. بسمة بصت للكيس، الجبنة كانت من النوع الرخيص، مفرولة وشكلها بايت، بس ما علقتش. هزت راسها وقالت تسلم. طارق استغرب تاني من هدوءها إيه، مالك كافية خيرك شرك كده بقالك يومين؟ ربنا يهديكي دايماً.. بكرة إن شاء الله هعدي على هايبر ماركت كبير بعد الصلاة، هجيب كل طلبات الحجة مديحة، وهجيب الحاجة هنا الأول عشان نوزعها ونرصها في السبتات والعلب الشيك، وأمي هتبعت السواق بتاع خالتك ياخدهم بالليل. تمام، تجيبهم بالسلامة.
يوم الجمعة.. ساعة الصفر
اليوم ده مشي برتم بطيء يحبس الأنفاس. طارق نزل صلى الجمعة، ورجع لابس كاجوال وشيك على سنجة عشرة، وأخد الفيزا بتاعته ومفتاح عربيته ونزل أنا نازل ألف على المحلات عشان أجيب أنضف حاجة.. مش عايز غلطة.. هرجع على المغرب كده بالحاجة.
أول ما الباب اتقفل، بسمة خدت نفس عميق وطلعت كرتونتين كبار كانت شايلاهم تحت السرير.
بدأت بهدوء شديد تفرز البيت هدوم طارق، جزمة، برفاناته، ساعاته الهاي كوبي، أوراقه الخاصة، وحتى الفوطة بتاعته وماكينة الحلاقة.. كل حاجة تخصه في الشقة دي اتلمت واتحطت في الكراتين والشنط الكبيرة بتاعته. سابت له قميص وبنطلون واحد بس على السرير.
الساعة كانت ستة المغرب لما طارق رن الجرس وهو محمل. بسمة فتحت الباب، دخل وهو بينهج، وراه اتنين من عمال السوبر ماركت شايلين كراتين وشنط هدايا فاخرة عليها لوجو محلات معروفة بالاسم.
نزلوا هنا يا رجالة، على السفرة بالراحة.. الحاجة دي حساسة وغالية جداً. العمال رصوا الحاجة وخدوا البقشيش ونزلوا.
طارق قعد على الكرسي يمسح عرقه وهو بيبص للحاجة بفخر مالهوش حدود شوفتي بقى؟ ده الشغل العالي! كيلو اللحمة الإستيك ده بكام؟ والجبنة البارميزان دي جايبها بالشيء الفلاني، غير المكسرات والحلويات الشرقية من العبد.. أمي هترفع راسها بيا بكرة قدام نسوان الحي الراقي كلهم!
بسمة كانت واقفة ساندة ضهرها على حيطة المطبخ، بتبص للحاجة وتبصله هو. مبروك يا طارق، شكلها حاجات تفتح النفس فعلاً. طبعاً! ده ذوقي.. أنا هدخل الحمام آخد دش سريع وأغير هدومي عشان أنزل أحط الحاجة دي في شنطة العربية وأوديها لأمي بنفسي، السواق اتأخر وأنا مش صابر لحد بكرة.
دخل طارق الحمام وقفل الباب، وفتح الدش.
وفي نفس اللحظة بالظبط، جرس الباب رن رنة خفيفة.
بسمة فتحت، كان الأسطى حربي ومعاه علبة الكالون الجديد وشغالته، ومعاه اتنين شيالين شباب بيبصوا لبسمة بأدب مسا الخير يا ست بسمة، كله جاهز؟ بسمة شاورت على الشنط والكراتين اللي فيها هدوم طارق وحاجته اللي مرصوصة جنب الباب الداخلي أيوة يا أسطى حربي.. الشنط دي تطلع برة الشقة وتترص على البسطة قدام الباب بهدوء تام.. وبعدها تغير الكالون فوراً.
الأسطى حربي بص للحاجة وبصلها، وفهم من نظرتها إن في أمر كبير بيحصل، فهز راسه وقال اعتبريه حصل يا ست الكل، تلت دقايق والكالون يكون راكب.
صوت مية الدش كان عالي ومغطي على صوت طقطقة المفكات والشيالين اللي بينقلوا الكراتين لبرة بهدوء.
بسمة دخلت الصالة، بصت على أكياس اللحمة الغالية، وبراطيم المكسرات، والشوكولاتات السويسرية، وعلب الجبن المستوردة اللي مرصوصة على السفرة بتلمع.. شالت كل الشنط دي، ودخلتها المطبخ، ورصتها كلها جوة تلاجتها اللي كانت فاضية.. قفلت باب التلاجة بالمفتاح الصغير بتاعها، وحطت المفتاح في جيبها.
بعد خمس دقائق، صوت المية وقف في الحمام.
الأسطى حربي همس من عند الباب الكالون الجديد ركب يا ست بسمة، وده المفتاح الأصلي ومعاه تلات نسخ.. الباب مصفح ومفيش دبوس يقدر يدخله من غير المفاتيح دي. تسلم إيدك يا أسطى حربي،
حسابك أهو. ربنا يقويكي يا بنتي.
نزل النجار والشيالين، وفضل باب الشقة موارب على الكراتين والشنط اللي مرصوصة على السلم برة.
خرج طارق من الحمام، لافف الفوطة على وسطه وشعره بينقط مية، وهو بيدندن ومبسوط يا سلام على الدش اللي يرد الروح! بقولك إيه يا بسمة، اعمليلي فنجان قهوة محوج من البن الجديد اللي جبته لأمي لحد ما ألبس..
وهنا.. وقف طارق مكانه متصلب، وبص للصالة.
ترابيزة السفرة كانت فاضية تماماً.. مفيش عليها ولا كيس ولا علبة ولا حتى ورقة لبانة!
طارق فرك عينيه بافتكار إنه بيحلم، وبعدين صرخ بهستيريا إيه ده؟! فين الحاجة؟! فين الأكل والكراتين اللي كانت هنا؟! بسمة، الحاجة فين؟!
بسمة كانت واقفة عند باب الشقة المفتوح، لابسة عبايتها وطرحتها، وماسكة في إيدها شنطة يدها وبوكيه المفاتيح الجديد بيرن في صوابعها.
بصت له من فوق لتحت بنظرة عمري ما شافها في حياته، وقالت بنبرة قطعت كل حبال الرجوع الحاجة في التلاجة يا طارق.. التلاجة اللي عيالي بياكلوا منها.. مش إنت قولت يوم الجمعة هملى تلاجة البيت؟ أهو ربنا استجاب لدعوتك على إيدك.
طارق وشه جاب ألوان، وجري ناحية المطبخ زي المجنون، بس وقف مكانه لما لمح من الباب المفتوح المنظر اللي على بسطة السلم برة..
كراتينه، شنطه، جزمة، هدومه، وبدلته الماركة محطوطة على كرتونة برة الشقة!
برق بعينيه وهو بيترعش من الصدمة إيه.. إيه الشنط دي؟! إنتي اتجننتي ولا عقلك جراله حاجة؟! إنتي حاطة هدومي على السلم ليه؟!
بسمة خطت خطوة واحدة لبرة، ووقفت جنب كراتينه على عتبة الباب، وطلعت ورقة عقد الإيجار من شنطتها ولوحت بيها قدام وشه الشقة دي باسمي يا ابن الست مديحة.. وأنا وولادي هنقعد ناكل من اللحمة والجبنة الغالية دي أسبوع بحاله.. وعشان متقلقش، الكوتشي الجديد بتاع مازن جه، وسالوبيت مريم اتجاب.. بس إنت، كفاية عليك أوي ست سنين عايش في دور الباشا على قفانا.
طارق جه يندفع ناحيتها وهو بيزعق إنتي مجنونة! ادخلي جوة وبطلي فضايح! والله لأربيكي، أنتي مش عارفة بتلعبي مع مين!
وقبل ما رجله الحافية تلمس عتبة الباب، بسمة شدت الباب المصفح برزعة رجت العمارة كلها، وسمع صوت تكة الكالون الجديد وهو بيقفل للأبد.
طارق لقى نفسه محبوس برة بيته، لافف فوطة على وسطه في عز البرد، واقف بين كراتين هدومه على بسطة السلم، ومن تحت بدأ يسمع صوت خطوات الجيران وهي طالعة، وصوت تليفونه اللي جوة واحدة من الشنط بيرن برنة أمه الست مديحة اللي مستنية بوفيه العزومة الملوكي! يتبع
الجزء الثالث والاخير
صوت تكة الكالون الجديد وهو بيقفل كان عامل زي طلقة رصاص نزلت قطعت كل حبل كان رابط طارق بالبيت ده.
طارق فضل متسمر في مكانه لثواني، عقله عاجز يستوعب إنه بره الشقة، في مدخل السلم، بفوطة مبلولة على وسطه وشعره بينقط مية على كتفه السقعان. البرد لسع ضهره، بس لسعة الفضيحة كانت أشد ميت مرة من برد أمشير.
مد إيده بتردد مسك أوكرة الباب المصفح وهزها بكل عزم ما فيه، الأوكرة كانت حديد ميت مابتتحركش. بسمة! افتحي يا مجنونة! افتحي الباب ده وبطلي هبل، سامعة؟! افتحي بدل ما أكسر الباب ده على نفوخك ونفوخ عيالك!
ما كملش جملته ولقى باب شقة الحج فتحي في الوش، في الدور الرابع، بيوارب بالراحة. الحج فتحي، راجل على المعاش مابيعديش هفوة في العمارة، طلع نضارته من جيب جلابيته الصوف ولبسها، وبص لطارق من فوق لتحت بذهول لا حول ولا قوة إلا بالله.. خير يا باشمهندس طارق؟ إيه اللي موقفك كده بحالتك دي على السلم بعد المغرب؟ هدومك فين يا بني؟!
طارق وشه احمر وبقى زي دم الغزال، سحب حتة من الفوطة يغطي بيها صدره اللي بيترعش، وصوته طلع متهدج ومشروخ لا يا حج فتحي.. مفيش حاجة.. الباب رد عليا بالغلط وأنا بنشر حاجة في البلكونة.. قصدي بطرد قطة.. بسمة جوة نايمة بس ومسمعتش..
باب مين اللي رد يا بني والكراتين دي كلها مرمية على بسطة السلم؟! دي عزال كامل أهو! الشنط دي إيه يا طارق؟
في اللحظة دي بالظبط، تليفون طارق، اللي مرمي في جيب الجاكيت الكحلي فوق واحدة من الكراتين، صرخ برنته العالية بنغمة مخصوص عاملها لأمه. الشاشة نورت في العتمة باسم ست الحبايب.
طارق وطى على الكرتونة زي الحرامي، كتم الموبايل بسرعة في إيده، وبص للحج فتحي وقال بصوت واطي ومخنوع ثواني يا حج بعد إذنك.. مكالمة شغل مهمة.
دخل طارق اتحشر في الزاوية اللي جنب ماسورة الغاز عشان يداري لحمه من عينين الراجل، وفتح الخط بصوت بيترجف أ.. ألو.. أيوة يا ماما. صوت مديحة طلع من السماعة فج، عالي ومستعجل وفيه نبرة الأمر المعتادة إنت فين يا طارق؟! السواق بتاعي مستني تحت بيتك بقاله نص ساعة! إنت نسيت إن عزومة بكرة دي هيبدأ تجهيزها من الليلة؟ الأجبان لازم تترص واللحمة تتبل! إنت لسه ما نزلتش ليه يا بني بالحاجة؟! الضيوف هيجوا الضهر، عايز تفضحني؟!
طارق بلع ريقه اللي كان ناشف زي الحطب، عينه جت على باب الشقة اللي جوه منه تلاجة متقفلة بالمفتاح فيها شقى دمه وفلوس السلفيات اللي استلفها من معارفه عشان المنظرة يا أمي.. اسمعيني بس.. حصل ظرف كده.. العربية.. العربية عطلت وأنا مروح.. مديحة قاطعته بحزم وزعيق هز ودنه عربية إيه وزفت إيه؟! إنت بتهزر؟! أنا قايلة للهوانم إن ابني مهندس كبير وجايب بوفيه مستورد مخصوص لصالون الثقافة! اتصرف، خد تاكسي، أجر عربية نص نقل، المهم الحاجة تكون في تلاجتي قبل ما الساعة تدق عشرة، وإلا لا إنت ابني ولا أعرفك!
الخط قطع في وشه.
طارق حس إن الدنيا بتلف بيه. قعد على كرتونة من الكراتين وهو ماسك راسه بإيديه الاتنين، الفوطة بدأت تفك من على جنبه، والهوا الساقع دخل في عظامه. بص في كرتونة هدومه، شد بنطلون ترنج قديم كان محطوط على الوش، لبسه بالعافية ورجله بتترعش، ولبس تيشرت نص كم، وقعد يخبط على باب شقته تاني بقبضة إيده، بس المرة دي بخوف ورجاء بسمة.. افتحي عشان خاطر العيال.. نتفاهم جوة.. فضيحتي بقت بجلاجل في العمارة، الحج فتحي واقف يتفرج علينا، افتحي وخدي اللي إنتي عايزاه بس بلاش الشارع!
من ورا الباب المصفح، صوت بسمة طلع هادي، مستقر، ومفهوش ذرة تردد الشارع ده اللي إنت كنت عايز ترمي فيه كرامتي وكرامة ولادك لما قولت ياكلوا رز وعدس عشان أمي متدخلش بإيدها فاضية. مفاتيحك وحاجتك كلها عندك، انزل خد تاكسي وروح لست الحبايب، قولها ابنك جه وإيده فاضية عشان هو أصلاً معندوش حاجة يملى بيها إيده غير على حساب عياله.
والفلوس اللي دفعتها في الأكل ده كله؟! دي محوشة الشهر وسلفيات على مرتبي! هتروح عليا كده؟! الأكل ده دخل تلاجة ولادك يا طارق.. اعتبره نفقة المتعة والمؤخر اللي مش هتشوف منهم مليم، وأهو برضه عيالك أولى بلحم أبوهم من نسوان النادي بتوع مامتك.
صوت رجلين طالعة على السلم خلا طارق يخرس تماماً. كان البواب، عم شعبان، طالع وفي إيده مقشة وجردل، ووراه ابن الحج فتحي الصغير. عم شعبان وقف مبرق يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. إيه ده يا باشمهندس طارق؟! هو حضرتك بتعزل في نص الليل كده ليه؟! والحاجة دي كلها معطلة السلم، السكان مش عارفين يعدوا!
طارق حس إن كرامته بتتداس بجزم كل اللي في العمارة. الراجل اللي كان بينزل يرمي المفاتيح للبواب من البلكونة ويقوله اغسل العربية يا واد، واقف قدامه بهدوم مقطعة ووشه أصفر من القهرة.
مفيش يا عم شعبان.. بنضف الشقة بس.. شيل الشنط دي نزلها تحت على الرصيف لحد ما أطلب أوبر. عم شعبان هز راسه بشك طب والست والعيال مش معاك؟ نزل الحاجة وإنت ساكت يا عم شعبان!
نزل طارق