شيخ العرب

كبيرة خرجت من حساباتي على مدار شهور.
المبالغ كانت متقسمة على حسابات مختلفة.
بعضها باسم سمر.
وبعضها باسم شركة أنا عمري ما سمعت عنها.
قلت
إزاي ده حصل؟
طارق رد
لازم نعرف مين كان بيدير الحسابات.
وبعد مراجعة الأوراق، ظهر اسم الشخص اللي كانت سمر بتقول إنه قريب بعيد ليها.
كريم.
أنا كنت أعرف كريم.
كان بييجي البيت كتير.
مرة يوصل سمر.
ومرة يساعدها في أوراق.
ومرة يخلص لها معاملات.
كنت فاكره قريبها.
لكن طارق اكتشف حاجة أخطر.
كريم مكنش قريبها أصلًا.
كان شريكها في كل التحويلات.
وبعض المستندات اللي سمر كانت بتحاول تخليني أمضي عليها كانت بتديها صلاحيات واسعة على حساباتي وقراراتي المالية.
في اليوم ده، اتصلت بمريم.
قلت
تعالي.
قالت
في إيه يا بابا؟
قلت
تعالي بس.
وبعد ساعة، كانت قدامي.
أول ما شافت وشي، عرفت إن الموضوع كبير.
قالت
سمر عملت لك حاجة؟
لأول مرة، أنا اللي سألتها
إنتِ كنتِ شاكّة فيها من الأول؟
دموعها لمعت في عينيها.
أيوه.
سكت.
قالت
بس إنت مكنتش بتسمعني.
دخل أحمد بعدها بدقائق.
كان واقف بعيد ومش بيتكلم.
بصيت له وقلت
أنا آسف.
رفع عينه لي.
على إيه؟
قلت
إني افتكرت إنكم ضد سعادتي.
أحمد قرب مني.
وقال
إحنا مكناش ضد سعادتك يا بابا. إحنا كنا خايفين عليك.
الكلمة وجعتني أكتر من أي اتهام.
لأنها كانت الحقيقة.
أنا كنت دافعت عن سمر قدام أولادي.
واتهمتهم إنهم أنانيين.
في الوقت اللي كانت فيه هي بتحاول تسيطر على حياتي.
قررنا نواجهها.
لكن طارق نصحنا إننا ما نستعجلش.
لازم نجمع الأدلة الأول.
رجعت البيت وكأني مفيش حاجة حصلت.
سمر استقبلتني بابتسامة.
اتأخرت ليه؟
بصيت لها.
وقلت
كان عندي مشوار.
قربت مني.
أنت تعبان؟
قلت
شوية.
قالت
طيب خد الدوا.
مدت إيدها بالعلبة.
أنا ابتسمت.
هخده بعدين.
لأول مرة، شفت الخوف في عينيها.
ثانية واحدة بس.
لكن شفته.
وفي الليلة دي، مكنتش أنا الوحيد اللي بيراقب.
أحمد كان موجود في البيت.
ومريم كانت معاه.
وطارق كان بيتابع كل حاجة قانونيًا.
وبعد أيام قليلة، ظهرت الحقيقة كاملة.
كريم اعترف بكل حاجة لما واجهه طارق بالمستندات.
سمر كانت بتحاول تسيطر على أموالي تدريجيًا.
لكن الأخطر إن بعض المستندات كانت هتخليها صاحبة القرار في شؤون مالية وطبية لو حصل لي أي مكروه.
ولما واجهتها بالأدلة، اتغير وشها.
قالت
حسن، إنت مصدق الخدامة؟
بصيت لها.
أنا مصدق اللي شفته بعيني.
صرخت
دي بتكدب!
رانيا كانت واقفة بعيد.
المرة دي، مرفعتش عينها للأرض.
أنا قلت
رانيا خاطرِت بشغلها علشاني.
وبعدين بصيت لسمر.
إنتِ كان عندك كل حاجة. بس طمعك خلاكي تخسري كل حاجة.
سمر فضلت ساكتة.
وبعدها بدأت الإجراءات القانونية.
أنا مكنتش عايز انتقام.
كنت عايز حقي وأماني.
وانتهى جوازنا.
بعد فترة، رجعت البيت لوحدي.
لكن البيت مكنش زي الأول.
لأول مرة، كنت حاسس إني حر.
ورانيا؟
أنا ساعدتها في علاج والدتها، لكن بشرط واحد.
قلت لها
الفلوس دي مش تمن اللي عملتيه. دي مساعدة من إنسان لإنسانة وقفت جنبه وقت ما الكل كان ممكن يسكت.
هي رفضت في البداية.
لكن والدتها كانت محتاجة العملية.
وبعد العملية، الحمد لله، صحتها اتحسنت.
رانيا بطلت تشتغل عندي.
وساعدتها تكمل دراسة المحاسبة اللي كانت سابتها من سنين.
وبعد فترة، لقت شغل جديد.
البيت بقى هادي جدًا.
لكن الغريب إن هدوءه المرة دي مكنش مؤلم.
بعد شهور، رانيا بدأت تزورني.
في الأول كانت بتيجي علشان تطمن عليا.
وبعدها بقت تزور والدتي؟ لا، والدتي كانت متوفاة من سنين.
بقت تزورني علشان تشرب قهوة.
نتكلم.
نضحك.
وأحيانًا نقعد ساكتين.
ومع الوقت، اكتشفت حاجة مخيفة بالنسبة لي.
أنا كنت مستني مكالمتها.
وكنت بفرح لما أشوف اسمها على شاشة التليفون.
لكن مكنتش عايز أفسر الإحساس ده.
فرق السن بينا كان كبير جدًا.
وهي كانت بالنسبة لي شخص عزيز أنقذ حياتي.
مكنتش عايز أظلمها أو أخليها تحس إنها مدينة لي بحاجة.
وفي يوم، كنا قاعدين في التراس.
قالتلي
تعرف إيه أكتر حاجة اتغيرت فيك؟
ضحكت.
إيه؟
قالت
بقيت بتضحك.
بصيت لها.
أنا كنت مش بضحك؟
قالت
كنت بتضحك بس كنت خايف.
سكت.
لأنها كانت عندها حق.
سمر كانت بتخليني أحاول أثبت إني لسه شاب.
مع رانيا، مكنتش محتاج أثبت أي حاجة.
كنت حسن.
بس.
بعد شهور طويلة، في عيد ميلادي الخامس والسبعين، أولادي عملولي حفلة صغيرة في البيت.
مريم وأحمد كانوا موجودين.
ورانيا كانت هناك.
بعد ما الكل مشي، فضلت هي.
وقعدنا في التراس.
بصيت لها وقلت
رانيا.
نعم؟
قلت
أنا مش عارف إذا كان اللي هقوله صح ولا لأ.
ابتسمت.
قول.
طلعت علبة صغيرة من جيبي.
كانت فيها دبلة بسيطة.
وقلت
أنا مش قادر أوعدك بخمسين سنة.
عينيها دمعت.
قلت
ومش قادر أوعدك حتى بعشرين.
ابتسمت وقالت
محدش يقدر يوعد حد بكرة.
مسكت إيدها.
وقلت
بس أقدر أوعدك بحاجة واحدة.
سألتني
إيه؟
قلت
كل يوم أصحى فيه وأنا قادر أحبك هختارك.
رانيا فضلت ساكتة.
وبعدين قالت
وأنا مش عايزة منك وعد بالعمر.
وقفت قدامي.
أنا عايزة بس أعيش الأيام اللي ربنا كاتبها لينا من غير خوف.
اتجوزنا بعدها بفترة.
من غير حفلة كبيرة.
من غير مئات الناس.
كان يوم بسيط.
مريم كانت واقفة جنب رانيا.
وأحمد هو اللي ساعدني أظبط بدلتي.
ووالدة رانيا كانت قاعدة في الصف الأول، بعد ما صحتها اتحسنت.
لما رانيا دخلت بفستانها الأبيض البسيط، حسيت إن البيت اللي كان زمان مليان خوف
رجع له النور تاني.
أنا النهارده عندي ستة وسبعين سنة.
ورانيا في المطبخ.
ومن شوية سمعتها بتزعق
يا حسن! إنت أخدت دواك؟
ضحكت وقلت
أيوه.
ردت
متكدبش عليا!
ضحكت أكتر.
لأن نفس الجملة اللي كانت زمان بتخوفني
بقت دلوقتي أكتر جملة بحب أسمعها.
هي مش بتسألني عن الدوا لأنها مستنية نهايتي.
هي بتسألني لأنها عايزاني أفضل موجود.
فضلت طول حياتي فاكر إن الحب لازم ييجي في الوقت الصح، وبالشكل الصح، وبموافقة كل الناس.
لكن في النهاية فهمت حاجة بسيطة.
أحيانًا، الشخص اللي ينقذ حياتك مش بيكون أغنى شخص في حياتك، ولا أقرب شخص ليك، ولا حتى الشخص اللي الناس كلها بتثق فيه.
أحيانًا بيكون إنسان بسيط جدًا
واقف قدام باب مكتبك في آخر الليل
وإيده بتترعش من الخوف
بس بيختار يقول الحقيقة علشان ينقذك.
رانيا دخلت حياتي في ليلة علشان تحذرني من الموت.
وبعد سنين
بقت هي السبب اللي خلاني أحب الحياة من جديد.
محمود فضل واقف مكانه، وباصص لنهى كأنه لأول مرة يشوفها.
قال بصوت هادي، لكن الهدوء اللي في صوته كان أخوف من العصبية
إنتِ كنتِ حامل وقت ما اتجوزنا؟
نهى مسحت دموعها بسرعة.
أنا الموضوع مش كده.
أمال إيه؟
سكتت.
بص لحماتي.
وإنتِ؟
حماتي ما رفعتش عينها من على السفرة.
أنا مالي يا محمود؟
ضحك ضحكة قصيرة من غير أي فرحة.
مالك إيه؟ إنتِ كنتِ موجودة معاها في المستشفى.
حماتي رفعت عينيها لي أنا.
وأنا كنت واقفة ساكتة.
قالت
ليلى، إنتِ فاهمة الموضوع غلط.
رديت
أنا فاهمة اللي الدكتور قاله قدامي.
محمود بص لي.
الدكتور قال إيه؟
قلت
قال إنها في حوالي الأسبوع السادس عشر.
نهى صرخت
ما قالش كده!
بصيت لها.
قال.
إنتِ سمعتي غلط.
وأنا كنت واقفة جنبك.
يمكن الدكتور كان بيتكلم عن حاجة تانية.
ابتسمت بسخرية.
عشان كده لما خرجنا من عنده، إنتِ ما اتكلمتيش طول الطريق؟
ما ردتش.
محمود رجع يسألها
طيب قوليلي الحقيقة.
نهى كانت بتبص في الأرض.
حماتي قالت
يا محمود، الموضوع قديم.
رد عليها
أنا مش بسأل عن عمر الموضوع.
سكت ثانية.
أنا بسأل إيه اللي حصل؟
الكل سكت.
حتى أحمد.
أنا كنت حاسة إن قلبي بيدق بسرعة.
مش علشان خايفة.
لكن علشان بعد سبع سنين، أخيرًا السر اللي شيلته لوحدي بدأ يخرج للنور.
نهى قعدت على الكرسي.
حطت إيديها على وشها.
وبدأت تبكي.
أنا ما كنتش أقصد أعمل كل ده.
محمود قال
تعملي إيه؟
رفعت وشها.
أنا كنت عايزة أتجوزك.
قال
وأنا كنت عايز أتجوزك.
عارفة.
أمال؟
سكتت.
وبعدين قالت
بس كنت خايفة.
من إيه؟
من إنك تفضل مستني.
محمود عقد حواجبه.
مستني إيه؟
نهى بصت لأمها.
حماتي قفلت عينيها.
كأنها كانت عارفة إن اللحظة دي هتيجي مهما حاولوا يهربوا منها.
نهى قالت
كنت عايزة أخلي الجواز يحصل بسرعة.
محمود قال
وليه؟
ما ردتش.
قلت أنا
عشان كنتِ فاكرة إنك حامل.
نهى بصت لي بسرعة.
لأ.
قلت
أمال؟
وبدأت الحقيقة تتكشف.
قبل سبع سنين، أنا كنت حامل في آدم.
وقتها كان أول حمل ليا بعد فترة طويلة من الجواز.
كنت فرحانة بشكل ما يتوصفش.
وأحمد كان طاير من الفرحة.
أما حماتي، فكانت بتتصل بكل الناس تقول لهم
أخيرًا هنشيل حفيدنا بين إيدينا.
وحمايا كان كل شوية يجيب لي فاكهة وحاجات أكل، ويقولي
خدي بالك من نفسك، إحنا مستنيين حفيدنا.
حتى أحمد كان بيتعامل مع الحمل كأنه مشروع حياته كله.
كل حاجة تخصني كانت بتهمه.
موعد الدكتور.
الأكل.
الراحة.
حتى لو عطست، كان يسألني
إنتِ كويسة؟
وأنا كنت بحب اهتمامه بيا.
لكن نهى
بدأت تتغير.
في الأول كانت بتضحك.
وتقول
يا سلام! يعني أنا كده بقيت العمة؟
وبعدين بدأت تقول
ماما، هو ليه كل الكلام بقى عن ليلى؟
حماتي كانت ترد
يا بنتي دي حامل.
فتضحك.
لكن ضحكتها ما كانتش دايمًا طبيعية.
مرة كنت قاعدة معاهم، وحماتي كانت بتسألني عن نتيجة السونار.
نهى قالت
طب ما أنا كمان ممكن أبقى حامل.
ضحكنا.
افتكرتها بتهزر.
قالت
لا بجد، استنوا عليا.
حماتي قالت
يا رب يا بنتي.
نهى بصت لي.
أصل أنا كمان حاسة إن عندي أعراض.
أنا فرحت لها.
قلت
بجد؟!
قالت
آه.
وأنا من طيبة قلبي قعدت أقول لها
طب روحي اعملي تحليل.
قالت
لسه بدري.
بعد كام يوم اتصلت بي.
وقالت بصوت مليان فرحة
ليلى، متقوليش لحد.
قلت
في إيه؟
قالت
أنا حامل.
أنا فرحت جدًا.
وقلت لها
بجد؟!
قالت
آه، بس أوعى تقولي لماما وبابا.
ضحكت.
ليه؟
قالت
عايزة أفاجئهم.
أنا كنت حامل وقتها، وهي قالت لي إنها حامل.
وكنت فرحانة علشان هي كمان هتعيش نفس إحساسي.
قلت لها
طب ومحمود؟
قالت
هقوله بعدين.
وبعدها بيومين، دخلت بيتهم لقيت حماتي بتبكي من الفرحة.
قالت لي
نهى قالت إنها حامل!
أنا حضنت نهى.
وقلت لها
ألف مبروك.
لكنها بصت لي بنظرة غريبة.
وقالت
خلاص بقى، كده مش إنتِ لوحدك اللي هتجيبي حفيد.
أنا ضحكت.
وفكرتها هزار.
لكن اللي ما كنتش أعرفه
إن نهى كانت بتحاول تلفت انتباه العيلة لنفسها.
لأنها شافت فجأة إن كل الاهتمام بقى ليا.
أنا اللي حامل.
أنا اللي هخلف أول حفيد.
أنا اللي حماتي بتسأل عليها.
وأنا اللي حمايا كل شوية يوصيني.
نهى حسّت إنها اختفت.
فقالت جملة واحدة غيّرت كل حاجة.
أنا كمان حامل.
لكن الحمل ده ما كانش موجود.
كانت مجرد كلمة قالتها.
وكانت متأكدة إن لما تقولها، كل الناس هتلتف حواليها زي ما حصل معايا.
وفعلًا حصل.
حماتي بقت تسألها كل يوم.
حمايا بدأ يتكلم عن حفيده.
حتى محمود لما عرف، فرح جدًا.
وقال إنه لازم يتجوزوا بسرعة.
نهى كانت عايزة ده بالضبط.
الاهتمام.
والجواز.
والكل يتكلم عنها.
لكن بعد فترة قصيرة، بدأت تسألني عن حاجات تخص الحمل.
وفي مرة قالت
هو طبيعي إن الأعراض تختفي؟
قلت
ساعات.
قالت
ولو مفيش بطن خالص؟
قلت
بدري.
قالت
ولو التحليل طلع ضعيف؟
قلت
لازم تراجعي دكتور.
كنت برد عليها بحسن نية.
لكنها كانت بتستخدم كلامي علشان تطمن نفسها.
لحد ما جه اليوم اللي قالت فيه لمحمود إنها حامل في الشهر الرابع.
والحقيقة؟
هي ما كانتش حامل أصلًا.
محمود كان ساكت وهو بيسمع.
قال
طب ليه قلتي كده؟
نهى بدأت تبكي.
كنت عايزة أتجوزك.
كان ممكن تقوليلي إنك عايزة تتجوزيني.
كنت خايفة ترفض.
أنا كنت مستنيكي سنتين!
عارفة.
أمال ليه؟
نهى بصت لي.
وبعدين قالت
عشان ليلى.
أنا اتفاجئت.
أنا؟
هزت راسها.
آه.
أحمد قال
إيه علاقة مراتي بالموضوع؟
قالت
من يوم ما عرفت إنها حامل، كل حاجة اتغيرت.
حماتي قالت
نهى، كفاية.
لكن نهى انفجرت.
لأ يا ماما!
وبصت لي.
أنا كنت بغير منها.
أنا ما اتكلمتش.
قالت
كنت بشوف ماما بتسأل عليها كل يوم. بابا بيتكلم عن الحفيد. أحمد مش شايف قدامه من الفرحة. وكل الناس بقت بتتكلم عن ليلى.
بدأت دموعها تنزل.
وأنا؟
سكتت.
أنا كنت موجودة، بس محدش واخد باله مني.
قلت بهدوء
كان ممكن تفرحي لي.
قالت
حاولت.
ونجحتي في الأول.
هزت راسها.
بس بعدين غيرتي

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *