تزوجت متسولة
دي، تليفونه رن.
بص للشاشة، ولما شاف اسم المتصل، اتغير لون وشه.
كان عمي فؤاد.
رد أبويا بصوت متوتر
أيوه يا فؤاد…
ما سمعتش الكلام اللي جاي من الناحية التانية، لكني شفت أبويا بيبصلي، وبعدها قال
لأ، ياسين ما عرفش حاجة.
سكت لحظة، وبعدين قال بصوت أخفض
لسه ما وصلش للملف التاني.
الملف التاني؟!
أبويا أنهى المكالمة، وحاول يعدي من جنبي، لكني وقفت قدامه.
استنى يا بابا. يعني فيه ملف تاني؟!
بصلي بعيون مليانة خوف.
وقبل ما يرد، ظهر عمي فؤاد عند باب المكتب بنفسه.
كان وشه متجهم، وإيده ماسكة شنطة جلد سودا.
بص للدفتر المفتوح على المكتب، وبعدين بصلي.
وقال بهدوء غريب
واضح إنكم فتحتوا باب كان لازم يفضل مقفول.
قربت منه وقلت
أنا عايز أعرف الحقيقة كلها.
حط الشنطة على المكتب، وفتحها ببطء.
طلع منها ملف أبيض، عليه نفس التاريخ المكتوب في دفتر المستشفى.
وقال
الحقيقة اللي في الملف ده مش هتغير بس اسم أمك يا ياسين… دي ممكن تغير اسم أبوك كمان.
حسيت إن نفسي اتقطع.
أبويا صړخ فيه
فؤاد! إنت اټجننت؟!
لكن عمي ما بصلهوش حتى.
فضل باصصلي، وقال
قبل ما تفتح الملف، لازم تعرف إن اللي حصل من سبعة وعشرين سنة ما كانش قرار أبوك لوحده، ولا قرار جدك لوحده. كان فيه شخص تالت هو اللي بدأ كل الحكاية، والشخص ده لسه عايش لحد النهارده.
سألته وأنا مش قادر أتحكم في صوتي
مين؟!
عمي سكت لحظة طويلة، وبعدين قال
الشخص اللي كان مسؤول عن تسليمك بعد الولادة… هو نفسه الشخص اللي رجع بعد سبعة وعشرين سنة وطلب من جدك فلوس عشان يفضل ساكت.
مين الشخص ده يا عمي؟!
عمي فتح الملف، وطلع صورة قديمة لراجل لابس بالطو أبيض.
بصيت للصورة، واتسمرت مكاني.
لأن الراجل اللي فيها ما كانش جدي.
وما كانش الدكتور اللي ظهر في صورة فاطمة.
كان راجل تاني، ملامحه مألوفة جدًا، لدرجة إني حسيت إني شفته من كام يوم بس.
عمي قرب الصورة مني وقال
الراجل ده اسمه الدكتور سامح. كان مدير المناوبة في الليلة اللي اتولدت فيها.
وهو فين دلوقتي؟
عمي بص لأبويا، وبعدين رجع بصلي.
في بيتنا.
وقبل ما أستوعب الجملة، سمعنا صوت عربية بتقف قدام الفيلا، وبعدها صوت جرس الباب.
الخادمة دخلت المكتب وهي بتقول
يا أستاذ محمود، فيه راجل بره بيقول إنه الدكتور سامح، وإنه لازم يقابل الأستاذ ياسين فورًا.
عمي قفل الملف بسرعة، وأبويا وقف قدام الباب كأنه بيحاول يمنع حد من الدخول.
أما أنا ففضلت واقف مكاني، ماسك صورة الراجل، وببص في عينيه المرسومتين على الورق.
الدكتور سامح.
الراجل اللي ممكن يكون عارف أنا مين فعلًا.
والراجل اللي ممكن يكون عنده الإجابة عن السؤال اللي قلب حياتي كلها
هل فاطمة هي أمي الحقيقية، ولا لسه فيه سر أخطر مستخبي ورا اسم سليم؟
نزلت السلم بسرعة، ولما وصلت للصالة، لقيت فاطمة واقفة عند آخر الطرقة، ماسكة طرف النقاب في إيديها، ووشها شاحب.
كانت بتبص ناحية الباب، ولما عيني جت في عينيها، قالت بصوت مرتعش
ما تخليش الراجل ده يدخل يا ياسين.
وقفت قدامها.
إنتِ تعرفيه؟!
هزت راسها ببطء، والدموع بدأت تتجمع في عينيها.
أيوه.
مين هو بالنسبة لك؟!
قبل ما ترد، الباب اتفتح.
دخل راجل كبير في السن، شعره أبيض، وملامحه مرهقة، لكنه أول ما شاف فاطمة وقف مكانه كأنه شاف شبح.
فضل باصص لها من غير ما يتكلم، وبعدها قال بصوت متقطع
فاطمة… إنتِ لسه عايشة؟!
فاطمة رجعت لورا، وحطت إيدها على بقها.
إنت… إنت قلت لي إن ابني ماټ!
الراجل غمض عينيه، وقال
أنا ما كنتش أعرف إنك لسه بتدوري عليه.
فاطمة صړخت
كداب! إنت اللي سلمت ابني لجد ياسين! إنت اللي قلت لي إنه ماټ!
الراجل نزل راسه، وبعدين رفعها وبصلي.
قال
أنا عارف إنك عايز إجابات يا ياسين، وأنا مستعد أقول كل حاجة. بس لازم تسمعني للآخر، لأن الحقيقة مش زي ما أهلك حكولك، ولا زي ما فاطمة نفسها فاكرة.
قربت منه وقلت
اتكلم.
بص لأبويا، وبعدين لعمي فؤاد، وبعدها رجع بصلي.
وقال الجملة اللي خلت أمي تطلع صړخة من آخر الصالة
الطفل اللي اتولد من فاطمة فعلًا اتسلم لعيلتك… لكن الطفل اللي اتربى في بيتكم مش هو الطفل اللي مكتوب اسمه في شهادة الميلاد.
حسيت إن الدنيا وقفت.
فاطمة حطت إيدها على الحيطة عشان ما تقعش.
أبويا نزل راسه، وعمي فؤاد غمض عينيه، وأمي فضلت تصرخ
كفاية! كفاية! ما تقولش حاجة تاني!
لكن الدكتور سامح ما سكتش.
طلع من جيبه ظرف صغير، وحطه على الترابيزة قدامي.
وقال
جوا الظرف ده نتيجة تحليل قديم، ومعاها أسماء الطفلين الحقيقيين. وأنا احتفظت بيه كل السنين دي، لأن جدك كان عايزني أتخلص منه.
مديت إيدي ناحية الظرف، لكن الدكتور مسك دراعي وقال
قبل ما تفتحه، لازم تعرف إن فيه شخص تاني في العيلة دي اتربى طول عمره وهو فاكر إنه ابن أهله، بينما الحقيقة إنه اتولد من نفس الأم اللي ولدت الطفل التاني.
بصيتله بذهول.
مين؟!
الراجل سحب نفس طويل، وبص ناحية السلم.
وفي اللحظة دي، سمعنا صوت خطوات نازلة من الدور التاني.
خطوات بطيئة، وبعدها صوت مألوف جدًا بيقول
أنا كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
التفتنا كلنا ناحية السلم.
كان عمي فؤاد واقف قدامنا بالفعل، لكن الشخص اللي نزل بعده كان أخويا الأصغر، كريم، اللي طول عمرنا فاكرين إنه ابن أبويا وأمي، واللي ما كانش يعرف أي حاجة عن اللي بيحصل.
كريم بص لينا باستغراب، وقال
هو فيه إيه؟ وليه الدكتور سامح هنا؟
الدكتور سامح بص له، ووشه اتغير.
وبعدين قال بصوت واطي
يا ساتر يا رب… ده معناه إن جدك ما قالش الحقيقة لأي حد فيكم.
عمي فؤاد اتجه ناحية كريم بسرعة، وحاول يبعده عن الصالة.
لكن كريم رجع خطوة وقال
إنت بتعمل إيه يا عمي؟!
فاطمة كانت بتبص لكريم بتركيز شديد، وعينيها بتتنقل بين وشه ووشي، وكأنها بتحاول تفتكر ملامح شافتها قبل كده.
وفجأة، رفعت إيدها ناحية كريم وقالت
استنى… استنى يا ابني.
كريم وقف.
فاطمة قربت منه ببطء، وفضلت تبص في وشه، وبعدها مدت إيدها ولمست العلامة الصغيرة اللي تحت ودنه الشمال.
شهقت، ورجعت لورا وهي بتقول
لا… مستحيل…
أنا جريت ناحيتها.
في إيه يا أمي؟!
بصتلي، وبعدين بصت لكريم، وقالت بصوت مكسور
أنا شفت العلامة دي قبل كده… على طفل كنت فاكرة إني دفنته من سبعة وعشرين سنة.
كريم بص لها بړعب، وأبويا صړخ
محدش يتكلم!
لكن خلاص.
كلنا كنا واقفين في نفس المكان، وكل واحد فينا بدأ يفهم إن اللي اتكشف لحد دلوقتي مش غير أول صفحة من حكاية طويلة.
الدكتور سامح فتح الظرف أخيرًا، وطلع منه ورقة قديمة، وقال
أنا هقول الحقيقة قدامكم كلكم. اللي حصل في الليلة دي كان چريمة، وأنا كنت جزء منها. لكن قبل ما أموت، مش هسيب طفل تاني يعيش كڈبة زي اللي عشتوا فيها.
حط الورقة على الترابيزة، وأشار لأول سطر فيها.
كان مكتوب اسم فاطمة.
وتحته اسم الطفل سليم.
وبعدين أشار للسطر اللي بعده.
اسم الأم التانية كان مكتوب بوضوح.
نادية محمود.
واسم الطفل ياسين.
أمي غطت وشها وصړخت.
أما كريم ففضل باصص للورقة، وبعدها رفع عينيه للدكتور وقال
طب وأنا؟ أنا ابن مين؟!
الدكتور سامح سكت.
وبعدين قلب الورقة، وطلع من الملف مستند تاني، وقال
إنت يا كريم… إنت مش ابن نادية ولا محمود.
كريم رجع لورا، كأنه اتخبط في صدره.
أبويا وقع على الكرسي، وفاطمة بدأت ټعيط، وعمي فؤاد همس
يا رب استر…
الدكتور سامح بص لكريم وقال
أمك الحقيقية ماټت من سنين، لكن أبوك الحقيقي لسه عايش.
كريم قرب منه بسرعة.
مين؟!
الدكتور