كشف حساب

مش هيرحموا فيها. حازم، باسمه الثلاثي، بدأ يطلع لي في سجلات المحاكم، وإعلانات الإفلاس، وشكاوى من عملاء سابقين اتعرضوا للنصب. الراجل ده مش مجرد نصاب، ده متخصص في استدراج الستات اللي بيعيشوا لوحدهم، بيمثل دور الزوج المحب والناصح الأمين لحد ما ياخد توكيلات عامة ويصفي كل حاجة. لقيت قضايا مرفوعة عليه من سنتين، وشركات وهمية تانية كانت مسجلة باسمه واتقفلت بعد ما سحب منها كل السيولة. الورق ده كان كفيل ينهي مستقبله ومستقبل نرمين معاه. طبعت كل صفحة، وكلمت المحامي بتاعي اللي جه خلال ساعة، وراجعنا كل أوراق ملكية البيت، واتأكدت إن لا حازم ولا حتى نرمين يقدروا يلمسوا مسمار واحد من البيت ده. لغيت كل صلاحيات الدخول، وغيرت كود البوابة، وجهزت كل ملفات الفطار اللي هقدمه لهم بكرة.
الساعة بقت أربعة الفجر، البيت ساكن تماماً، بس صوت أمواج البحر كان أعلى من أي وقت تاني، كأنه بيشجعني

على اللي هعمله. رتبت السفرة بدقة، حطيت الفناجين، ولمعت الفضيات، بس ما جهزتش أي أكل. في نص السفرة، حطيت الملف اللي فيه كل تاريخ حازم المشرف، وفوقه ورقة صغيرة كتبت فيها بخط واضح قبل ما تفكروا تانية في ممتلكاتي أو تخططوا لمستقبلي، اقرأوا كل صفحة هنا. البيت ده مش للبيع، ومش للإيجار، ومش تحت تصرف حد غيري. الساعة جت خمسة بالظبط، وسمعت خطواتهم نازلين على السلم، حازم كان باين عليه إنه لسه بيجهز خطته للنهارده، ونرمين كانت ملامحها مرتاحة ومستنية الفطار.
أول ما شافوا السفرة فاضية والملف في النص، وقفوا في مكانهم. نرمين بصت لي وسألت بصوت مهزوز إيه ده يا ماما؟ فين الفطار؟ بصيت لهم بكل هدوء، شربت رشفة من قهوتي، وقلت ده فطار العيلة النهارده، اقرأوه كويس. حازم مسك الملف، ومع أول ورقة، لون وشه اتغير وبدأ يتصبب عرق، ونرمين لما بدأت تقرا أسماء الشركات والقضايا اللي جوزها متورط فيها، نظرتها له اتحولت من نظرة إعجاب لنظرة صدمة وذهول. ده كلام مش حقيقي، دي أوراق مفبركة! صرخ حازم، بس صوتي كان أقوى الجهات اللي أصدرت الورق ده موجودة، والشرطة قريبة جداً لو حبيت نتأكد من صحتها.
في اللحظة دي، البيت اللي كانوا فاكرينه صيد سهل اتحول لأضيق سجن ممكن يدخلوه. نرمين بدأت تبكي وتعاتب حازم، وحازم بدأ يحاول يبرر، بس أنا كنت خلاص قمت من مكاني، وفتحت باب الفيلا الكبير على البحر، وقلت لهم بصوت حازم مفيش فيه أي تراجع أمامكم نص ساعة، تلموا شنطكم وتختفوا من حياتي ومن بيتي. حازم، لو شفت وشك تاني، الورق ده مش هيكون في البيت، ده هيكون في قسم الشرطة اللي جنبنا. ونرمين، إنتي بنتي، بس اللي يرضى يعامل أمه كأنها عالة عليه أو مجرد ممتلكات، ملوش مكان في قلبي ولا في بيتي.
خرجوا من الفيلا منكسرين، شنطهم كانت تقيلة عليهم أكتر مما كانت أول ما وصلوا، وركبوا عربيتهم ومشيوا من غير حتى ما يبصوا وراهم. رجعت قعدت في الصالون، بصيت للبحر اللي كان لسه هادي، وحسيت براحة لأول مرة من ساعة ما وصلوا. عرفت ساعتها إن الأمان مش في الحيطان ولا في البيت، الأمان في القوة اللي بطلعها من جوايا لما حد يحاول يقلل مني أو يستهين بوجودي. نرمين اتعلمت درس قاسي، وأنا اتعلمت إن حتى أقرب الناس ممكن يغدروا لو لقوا الصيد سهل، بس أنا من النهارده، ما بقيتش صيد لأي حد. رجعت لحياتي، لهدوئي، ولبيتي اللي بقى فعلاً حصني، وأخدت قرار إني مش هسمح لأي ضيف تاني إنه يملي عليّ شروطه، لأن صاحبة البيت، هي اللي بتحدد القواعد، وهي اللي بتقدم الفطار بمزاجها، وعلى طريقتها الخاصة. ومن اليوم ده، الساحل بالنسبة لي بقى مكان للراحة الحقيقية، مش مكان للصراعات، وقررت أستمتع بكل دقيقة فيه، وأنا عارفة إن عندي القدرة أحمي نفسي، وأحمي تاريخي، وأحمي البيت اللي دفع فيه عمري تمن.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *