أمها تعبانة فجت تنضف مكانها.. الطفلة عندها ٦ سنين ودخلت مكتب أكبر رجل أعمال وقالت له بصوت بيرتعش أمي في المستشفى وقالت لي غياب اليوم بيموتنا، قبل ما رجل الأعمال يكتشف أسرارهم ويقرر يحميهم من أعدائه اللي ناويين يستغلوهم! ماما تعبانة، فجيت أنا بدالها! البنت الصغيره كانت واقفة على باب المكتب الخاص ب أدهم، وفي إيدها فوطة تنضيف ماسكاها بإيديها الاتنين، ما تجيبش ٦ سنين! ملابس الشغل العادية الكبيرة نازلة من على كتافها، والأكمام متنية على إيديها الصغيرة، والكوتشي البمبي طالع منه المنظر. وراها ٣ رجالة حراسة واقفين مش مصدقين إن الطفلة دي عدت من الأبواب الإلكترونية والأمن ودخلت الأوضة اللي أكبار البلد بيخافوا يتنفسوا فيها! أدهم كان من ٥ دقائق بس بياخد قرار يهد عيلات منافسة، وفجأة الطفلة طلعت على الكرسي وبدأت تمسح المكتب بهدوء ماما في المستشفى، وقالت لي الغياب خطړ.. أنا بعرف أنضف كويس، هي علمتني! أدهم اللي الوزراء ورجال الأعمال بيحسبوا له ألف حساب، نزل على ركبه قدامها وسألها اسمك إيه يا شاطرة؟ قالت له مي، عندي ٦ سنين ونص!، ولما سألها فطرتي؟ قالت له بكسوف بتبص للفوطة شربت مية! حاجة جوة أدهم اتغيرت وبقت جمر! الأكل نزل فوراً، وقبل ما تاكل أخدت نص الرغيف ولفته في منديل وقالت ده لماما! أدهم بص للنص رغيف وافتكر طفولته زمان وإزاي العيل الفقير بيحاول يتصرف، وبص لمساعده وقال بحسم هات لي ملف أمها فوراً! لما الملف جه، القاعة سكتت.. سارة أمها محجوزة في المستشفى بقالها يومين، ومي قطعت المشوار لوحدها في المطر عشان خاېفة على أكل عيشهم! أدهم وقف وقال بصوت هز المكان إلغوا كل المواعيد النهاردة! أدهم كان فاكر إن البنت وأمها مجرد حالة إنسانية بيمر بيها، وما كانش يعرف إن أعداءه في السوق كانوا مراقبين البنت من لحظة ما خرجت من المستشفى، وأن وصوله لسر أمها هو اللي هيخليه يعلن حمايتهم ورعايتهم قدام الكل قبل ما أعدائه يوصلوا لهم! تفتكروا أدهم هيتصرف إزاي لما يروح لأمها المستشفى؟ وإزاي هيرد على أعدائه اللي حاولوا يستغلوا البنت؟ أخذ أدهم معطفه، وحمل الطفلة مي بين ذراعيه. قال لها بابتسامة هادئة يلا نروح لماما. هزت رأسها بسرعة، لكنها قبل أن تخرج التفتت إلى الرغيف الملفوف في المنديل وسألت پخوف هو لسه معايا؟ ابتسم أدهم وقال لسه... وهنجيب معاه أكل كتير. وصلوا إلى المستشفى. كانت سارة نائمة على السرير، وجهها شاحب، وإلى جوارها ملف طبي مليء بالتقارير. فتحت عينيها على صوت ابنتها وهي تنادي ماما... أنا جيت. شهقت سارة عندما رأت أدهم يقف خلف ابنتها. حاولت أن تنهض وهي تقول في ارتباك أنا آسفة... أكيد عملت مشكلة. قال أدهم بهدوء ولا عملت مشكلة... بنتك أنقذت نفسها، وجت تقول الحقيقة. ثم وضع كيس الطعام على الطاولة، وأخرج الرغيف الذي احتفظت به مي. قال وهو ينظر إلى سارة بنتك رفضت تاكل إلا لما تحتفظ بنص الأكل ليكي. لم تتمالك سارة نفسها. بكت وهي تضم ابنتها. بعد أن خرجت مي لتتناول العصير مع الممرضة، جلس أدهم مع الطبيب. سأله عن حالة سارة. قال الطبيب عندها التهاب رئوي حاد وإرهاق شديد وسوء تغذية، لكنها هتتحسن مع العلاج والراحة. أدهم سأل وليه كانت مضطرة تشتغل وهي بالحالة دي؟ رد الطبيب لأنها كانت خاېفة تفقد شغلها. خرج أدهم وهو يفكر طويلًا. ثم اتخذ قراره. اتصل بمدير الموارد البشرية في شركته. وقال من النهارده... سارة في إجازة مرضية مدفوعة الأجر لحد ما ترجع صحتها كاملة. ثم أضاف ووفروا لها تأمينًا صحيًا كاملًا. في اليوم التالي، انتشرت صورة التقطها أحد العاملين لمي وهي تمسك فوطة التنظيف داخل الشركة. وصلت الصورة إلى منافسين لأدهم. حاول بعضهم استغلال القصة في حملة إعلامية للإساءة إلى الشركة، مدعين أنها تشغّل الأطفال. لكن مراجعة كاميرات المراقبة أوضحت أن الطفلة دخلت وحدها دون علم الإدارة، وأن العاملين أوقفوها فور اكتشاف الأمر، وأن الشركة سارعت إلى رعاية الطفلة ووالدتها واتخاذ الإجراءات اللازمة. انتهى الجدل سريعًا بعدما ظهرت الحقيقة كاملة. بعد أسبوع، خرجت سارة من المستشفى. كانت أول مفاجأة في انتظارها. أدهم سلّمها خطابًا رسميًا. فتحته وهي متوترة. وجدت فيه قرارًا بتعيينها في وظيفة إدارية مناسبة داخل الشركة بعد تعافيها، بعيدًا عن الأعمال الشاقة، مع برنامج تدريب يساعدها على تطوير مهاراتها. رفعت رأسها وهي لا تكاد تصدق. قالت بس أنا عمري ما اشتغلت مكتب. ابتسم أدهم. وقال التعب مش معناه إن الإنسان ما يقدرش يتعلم. أما مي... فكانت أول مرة تدخل حضانة ثم مدرسة بشكل منتظم. في أول يوم دراسة، لبست شنطة جديدة وحذاءً جديدًا. وقفت أمام أدهم وقالت أنا مش هروح أنضف تاني. ضحك وقال دلوقتي شغلتك الوحيدة إنك تتعلمي. قالت بجدية الأطفال وأجيب درجات حلوة. مرت سنوات. كبرت مي. وكانت من أوائل مدرستها كل عام. كلما سألوها في المدرسة نفسك تطلعي إيه؟ كانت تبتسم وتقول عايزة أبقى دكتورة... علشان محدش يسيب أمه تعبانة ومش لاقية علاج. أما سارة، فقد أصبحت من أكثر الموظفات احترامًا داخل الشركة. لم يكن أحد يعاملها بشفقة. بل بتقدير. لأنها أثبتت اجتهادها كل يوم. وفي إحدى المناسبات السنوية، وقف أدهم أمام الموظفين وقال في شركات بتقيس النجاح بالأرباح فقط... وأنا مؤمن إن النجاح الحقيقي هو إن المؤسسة ما تتخلاش عن الإنسان وقت ضعفه. صفق الجميع. ثم دعا سارة ومي إلى المنصة. ناول مي شهادة تقدير صغيرة، وقال دي أول موظفة في تاريخ الشركة تدخل المكتب من غير معاد. ضحك الجميع. أما مي، فأخذت الشهادة وقالت بخجل بس أنا كنت جاية أمسح الترابيزة. رد أدهم مبتسمًا وأنتِ علمتِنا يومها درسًا أهم من أي صفقة. سألته وهي تمسك يده إيه هو؟ قال إن الكرامة مش معناها إن الإنسان ما يطلبش المساعدة... الكرامة إنه يفضل يحاول، حتى وهو تعبان. ابتسمت مي. ثم نظرت إلى أمها. وقالت المرة دي... أنا اللي هشتري لك الرغيف كله. ضحكت سارة، واحتضنت ابنتها وسط تصفيق الحاضرين. وهكذا انتهت الحكاية؛ تعافت الأم، وعادت إلى عمل كريم، والتحقت الطفلة بالتعليم بدلًا من تحمل مسؤوليات لا تناسب سنها، وتحولت لحظة صعبة إلى بداية جديدة، بعدما اختار من استطاع المساعدة أن يفعل ذلك بالرحمة واحترام القانون، لا بالشفقة أو الاستغلال.