بعد حين

قولتلك هستناك… ولو بعد عشر سنين.
بصيتله لآخر مرة، وقلبي كان بيتمنى أصدقه، فقالها وهو بيبصلي بثبات:
ـ وأنا هختارك… ولو بعد عشر سنين.
ومشي.
فضلت واقفة مكاني أتابع خطواته لحد ما اختفى من قدامي، وأنا مش عارفة هل الكلام اللي قاله ده مجرد وعد جميل… ولا فعلًا هيقدر ينفذه يوم من الأيام.
عيسى ماكنش أول شخص يتقدملي، لكنه كان أول شخص حسيت إنه اختارني بجد.
كان لسه في بداية مشواره، لسه بيحاول يبني نفسه، ولسه قدامه سنين طويلة عشان يحقق اللي نفسه فيه.
وعشان كده بابا رفضه.
يمكن من وجهة نظر بابا كان عنده كل الحق.
هو كان شايف بنته، وخايف عليها من المستقبل، وخايف إنها تعيش حياة أقل من اللي اتعودت عليه.
أما عيسى، فكان شايف إن كل اللي محتاجه فرصة واحدة بس.
فرصة يثبت فيها إنه يستاهلني.
اتقدم مرة…
واتنين…
وتلاتة…
وكل مرة بابا كان بيرفض.
ومع كل رفض، كان عيسى بيرجع يحاول من جديد.
لحد ما جه اليوم اللي وقف فيه قدام بابا للمرة الأخيرة.
قال له بكل هدوء:
ـ أنا مش طالب منك غير فرصة، ولو شايف إني مش جاهز دلوقتي، هشتغل على نفسي لحد ما أبقى جاهز.
لكن بابا كان مصمم.
وبعد ما مشي عيسى، قابلته صدفة عند باب البيت.
ماكانش بينا كلام كتير أصلًا.
مجرد نظرات، وإعجاب من بعيد، لكني كنت عارفة إنه شخص صريح ومحترم، لأنه بدل ما يكلمني من ورا أهلي، راح لبابا وطلبني منه.
وقف قدامي وقال:
ـ أنا مش هقدر أقولك استنيني، لأن ده قرارك إنتِ… بس أنا هفضل أحاول.
بصيتله وقلبي موجوع.
وقلت:
ـ ولو بابا فضل رافض؟
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
ـ قولتلك… هستناك ولو بعد عشر سنين.
ومن يومها اختفى عيسى من حياتي.
مرت الأيام…
والشهور…
وأنا زي ما أنا.
كل ما حد يتقدملي، ألاقي لنفسي سبب أرفضه.
لحد ما أختي فقدت صبرها وقالتلي:
ـ لحد إمتى هتفضلي كده؟
بصيتلها باستغراب:
ـ كده إزاي؟
ضربتني على رجلي بخفة وقالت:
ـ مش هتلفي وتدوري عليه يا بت! لحد إمتى هتفضلي تضحكي على نفسك وتقولِي إن كل واحد فيه عيوب الدنيا ومش مناسب؟
اتنهدت وقلت:
ـ لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا.
لكن الحقيقة إن جوايا كنت لسه مستنية حاجة مش عارفة اسمها إيه.
لحد ما جه شخص جديد.
كل الناس شافوه مناسب.
أهلي اتحمسوا له جدًا، وبابا نفسه قاللي:
ـ شوفيه… استخيري، ولو ارتحتي نكمل.
استخرت.
وحاولت أقنع نفسي إن الحياة عقل، وإن القلب بيتعود.
ووافقت.
بدأت تجهيزات الخطوبة.
فساتين…
دهب…
ضحك…
كلام عن المستقبل…
لكن الغريب إني كنت وسط كل ده بجسمي بس.
أما قلبي، فكان في مكان تاني.
ويوم ما كنا بنختار الدهب، لبست الخاتم في إيدي، ورفعت عيني بالصدفة لقيت بابا واقف بعيد.
بصلي شوية.
وبعدين قرب مني وقال:
ـ مبسوطة؟
حاولت أضحك.
لكن ضحكتي طلعت مكسورة.
بابا بص لإيدي اللي كانت بتترعش، وسكت.
وبعد لحظات قال للبائع:
ـ معلش… مش هناخده.
بصيتله بصدمة.
خرجنا من المكان وركبنا العربية، وأنا مش فاهمة حاجة.
وفجأة لقيته ماسك إيدي.
وقال:
ـ أنا خوفي عليكِ عمره ما كان أهم من سعادتك.
انهرت في العياط.
فكمل:
ـ أنا كنت فاكر إني بحميكي… لكن شكلي كنت بحارب رزقك بإيدي.
حضنته وقلت:
ـ والله يا بابا أنا عمري ما زعلت منك.
مسح دموعي وقال:
ـ وأنا مش هزوج بنتي إلا وهي داخلة بيتها وقلبها راضي.
وانتهت الخطوبة.
مرت شهور بعدها، وأنا سلمت أمري لله تمامًا.
ماعدتش بسأل عيسى فين.
ولا عمل إيه.
ولا اتجوز ولا لأ.
كنت بس بقول:
“يا رب لو هو خير ليا، اجمعني بيه.”
وفي يوم اتنين، وكان بابا إجازة، قاللي:
ـ عندنا ضيوف مهمين النهاردة.
استغربت.
جهزنا البيت.
وبابا كان بيضحك وبيغمزلي وقال:
ـ هتدعيلي.
ضحكت وقلت:
ـ على إيه؟
قال:
ـ استني بس.
وبعدها بدقايق…
جرس البيت رن.
أختي فتحت الباب.
وسمعتها فجأة بتقول بصوت متفاجئ:
ـ بابا!
سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
ـ عيسى جه!
حسيت إن الدنيا كلها وقفت.
نزلت من على السلم وأنا مش مصدقة.
ولما شوفته…
عرفت إن السنين فعلًا غيرته.
كان واقف قدام بابا، بملامح أنضج، ونظرة أهدى، وثقة مختلفة تمامًا عن الشاب اللي وقف هنا من سنين.
قعد قدام بابا وقال:
ـ حضرتك طلبت مني زمان أثبت نفسي…
سكت لحظة، ثم أكمل:
ـ وأنا رجعت بعد ما عملت اللي أقدر عليه.
قال لبابا إنه بقى دكتور متخصص، وإنه فتح أول عيادة ليه، وإنه لسه في بداية الطريق، لكنه المرادي جاي وهو مطمن إنه قادر يصون بنته.
أنا كنت واقفة بعيد، ودموعي نازلة بصمت.
افتكرت وعده القديم.
“هستناك ولو بعد عشر سنين.”
بابا فضل ساكت.
عيسى بدأ يتوتر.
وقال:
ـ لو حضرتك شايف إني لسه مش مناسب…
بابا رفع إيده وقاطعه:
ـ استنى.
ثم قام من مكانه.
بصلي أنا.
وبعدين بص لعيسى.
كانت ثواني قليلة…
لكن بالنسبالي كانت أطول من عشر سنين كاملة.
لأن القرار اللي هيقوله بابا بعد اللحظة دي…
كان هيحدد إذا كانت كل السنين اللي فاتت دي مجرد انتظار ضاع…
ولا كانت فعلًا الطريق لأجمل أمنية في حياتي.
وبابا أخيرًا فتح بقه وقال لعيسى:
ـ المرة دي…
وهنا كانت المفاجأة اللي عمري ما توقعت أسمعها منه.
👇 تفتكروا بابا قال لعيسى إيه؟ وهل بعد كل السنين دي خديجة أخيرًا هتكون من مثيل عيسي
صلوا على شفيع الامه محمد ❤️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *