ابن امه
قرب ابن أمه مني، وشه مليان ندم وذل، وقال بصوت خافت وبيترعش: “سامحيني يا بنت الحلال.. أمي هي اللي عبت رأسي، وأنا كنت أعمى.. ارجعيلي ونكتب رسمي ونعملك اللي أنتِ عايزاه!
“.بصيتله بنفس العين اللي كان يبصلي بيها وأنا بترجاه يكلمني كلمة حنينة، وابتسمت ابتسامة هادية وباردة، وقولتله:”تكتب رسمي لمين؟ أنا أطهر وأكبر من إن اسمي يتربط باسمك ثانية واحدة.
أنت وأمك فاكرين إنكم كسرتوني، لكنكم صنعتوا مني ست مش هتعرفوا تبصوا في وشها ثاني.. فلوسكم وحق الشرع هاخده بالقانون لحد آخر مليم، وكرامتي أخدتها خلاص يوم ما القاضي أداني حريتي ورميتكم ورا ضهري!”.مسكت إيد أبوي المرفوعة، وخرجنا من باب المحكمة، والشمس طالعة بتنور دنيتي الجديدة.
. سبتهم غرقانين في ديونهم وفضيحتهم، ومشيت وأنا عارفة إن حق ربنا ما بيمو. تش، وأن الظلم لو طال ليلة.. فالعدل جاي جاي مع طلوع النهار. ومرت السنين.. والدنيا دارت دورتها اللي ما بتظلمش حد.
أنا أخدت كل حقوقي المادية والشرعية لحد آخر مليم، وفلوس المتعة والمؤخر ونفقة الأربع سنين نزلت على دماغهم زي الصاعقة، واضطر ابن أمه يبيع حتة أرض كان حيلته عشان يدفع المستحقات وما يتحبسش، وأمه اللي كانت فاكرة نفسها هانم وبستصغر الناس، بقوا الجيران يشارشحوا لها ويقفلوا الأبواب في وشها بعد ما الفضيحة ملأت الناحية كلها، وعِرف الكل إنهم ظلموا طفلة واستقووا عليها.
أما أنا.. فكملت تعليمي، ودخلت الثانوية منازل وكافحت لحد ما نجحت وجبت مجموع، ودخلت كلية تجارة.
عوّضت السنين اللي ضاعت مني في مسح السلالم والخدمة، وبقت الطفلة المكسورة اللي دخلت بيتهم وهي عندها 14 سنة، ست متعلمة، فاهمة حقوقها، وواقفة على رجليها بصلابة ومستقلة بحياتها. وفي يوم من الأيام، وأنا نازلة من شركة المحاسبة اللي بشتغل فيها وراكبة عربيتي، لمحته بالصدفة واقف على أول الشارع.
. كان شكله كبر عشرين سنة، هدومه مبهدلة ووشه شايل هموم الدنيا، واقف جنب أمه اللي بقت تمشي على عكاز وما حدش من سلايفي الكبار راضي يخدمها ولا يعبرها، بعد ما طمعهم وحقدهم اتقلب عليهم، وبقوا هما الاثنين يشيلوا خدمة بعض ويدوقوا من نفس الكأس.
أول ما عيني جت في عينه، وقف مكانه واتسمّر، والبصّة في عينه كانت مليانة ندم وكسرة وتمني لثانية واحدة من الأيام القديمة.. بس أنا ما وقفتش، ولا حتى قلبي دق. تبسمت لنفسي ابتسامة رضا، ودست بنزين ومشيت في طريقي..