رجعت من المستشفي مهدوده

في جيبه… كان رقم مديره في شركة المقاولات! طارق رد بصوت مبحوح ألو… أيوة يا باشمهندس؟ صوت المدير كان عصبي وجاف أنت فين يا طارق؟ مجيتش الشغل ليه؟ وفي
حسابات ودفاتر عهدة فيها عجز في موقع أكتوبر محتاجين نراجعها معاك فوراً قبل ما نبلغ الإدارة القانونية، تيجي حالا على الشركة!
طارق قفل المكالمة والدنيا لفت بيه… المشاكل مكنتش بتنتهي، دي كانت يادوب بتبدأ، والمصاېب اللي زرعها في حياته بدأت تحصد خيبتها كلها في يوم واحد. ركب جنب السواق ودموعه نزلت لأول مرة پقهر وندم ملهوش تمن، والتاكسي اتحرك بيه لدنيا تانية مفيهاش لا نيرة ولا فلوسها ولا عز بناتها.
فوق في الشقة، نيرة كانت قاعدة على السرير، حاطة البنتين في ، بتبص لملامحهم البريئة والسکينة مالية المكان. حست بۏجع عمليتها بيهدى، كأن روحها كانت هي اللي محتاجة تخف وتتطهر من الۏسخ اللي كان محاوطها. الباب خبط بالراحة، ودخل الأستاذ وحيد ومعاه فنجان قهوة الحاج عبد الحميد عملهوله مدام نيرة، خطوتنا اللي جاية مش هتكون سهلة، طارق مش هيسكت لما يفوق من صډمته، وأهله مش هيسيبوا ربع المليون جنيه بالساهل كده… إحنا بدأنا الحړب، ولازم تكوني جاهزة للي جاي، لأن فتحية مش من النوع اللي بيستسلم من أول قلم.
نيرة رفعت عينيها وبصت للمحامي، وابتسمت ابتسامة هادية وثابتة وأنا مش من النوع اللي بيسيب حقه يا متر… طارق وأمه لسه مشافوش مني حاجة، واللي افتكروه نهاية الحكاية، مكنش إلا أول سطر في حسابي معاهم.
يتبع
الفصل الثالث والأخير حكايات مني السيد حصري.
مر أول شهر على خروج طارق وفتحية من الشقة كأنه سنة كاملة في تفاصيله، بس كان أهدى شهر دخل على قلب نيرة من يوم ما اتجوزت. الشقة اتنضفت من ساسها لراسها؛ البخور شغال كل جمعة، صوت الأذان وتلاوة القرآن ماليين الأركان، وريحة الشامبو وبودرة الأطفال واليانسون المغلي غطت على أي ريحة قديمة للغدر والنكد.
أحمد ومصطفى نفذوا كلامهم بالحرف بعد طرد طارق بيومين، نزّلوا التلاجة الكبيرة الجديدة لمعرض أجهزة في شارع عبد العزيز، اتباعت بحالتها وبكرتونتها ومشتملاتها بمبلغ محترم، وحطوا كل مليم في حساب دفتر توفير بنكي مقفول باسم البنتين، فريدة وجميلة، تحت وصاية نيرة. أما التلاجة القديمة اللي فتحية كانت بتعايرها بيها، الحاج عبد الحميد ملاها من خيرات ربنا لحوم بلدي، طيور، جبن، فاكهة طازة، وعصاير طبيعية عشان صحة نيرة ترجع ولتغذية الرضاعة.
بس في المقابل، بيت الحاجة فتحية في دمنهور كان بيغلي زي مرجل جمر.
فتحية، الست اللي عاشت حياتها كلها ترسم إنها سيدة المجتمع في حارتها وإن ابنها الباشمهندس اللي اتجوز في أرقى حتة، لقت نفسها فجأة راجعة مع ابنها في تاكسي بشوية شنط هدوم متفتشة، ومفضوحين قدام الجيران. طارق كان قاعد على الكنبة المتهالكة في صالة بيت أمه زي الفرخة المبلولة؛ الشغل في شركة المقاولات اتطور لکاړثة.
العجز اللي في موقع ٦ أكتوبر اتكشف رسمي، واتضح إن طارق كان بيمضي أذونات صرف عمالة وهمية عشان يسحب سيولة ويسدد بيها أقساط ورشة الميكانيكا لأخوه وائل وعربون عربية أخته سحر، على أمل إنه هيغطي العجز ده من ربع المليون اللي كان ناوي يلهفهم بالراحة من حساب نيرة! ولما الحساب اتقفل عليه والتوكيل اتلغى، وقعت الفأس في الرأس. صاحب الشركة، الباشمهندس فاروق، كان راجل صعيدي قاطع ما بيهزرش، خيره بين اتنين يا يسدد تلاتمية وخمسين ألف جنيه العجز وفروق الجرد، يا المحضر يتحول للنيابة پتهمة خېانة الأمانة والاختلاس.
قعدت فتحية ټضرب على ركبتها وتصوت الحقني يا طارق! يعني أخوك وائل هيقفل الورشة؟ وسحر العربية هتتسحب منها عشان كمبيالاتها هترتد؟ وإنت وشك هيتفضح في الشغل؟ روح للبت بنت عبد الحميد، بوس إيدها ورجلها، قولها عشان خاطر البنتين، خليها تسيبلك الفلوس اللي سحبتها وترجعك الشقة!
طارق رد عليها بصوت مهزوم ومخڼوق أبوس رجل مين يا أمّا؟! أنتي مشوفتيش أبوها ولا إخواتها كانوا عاملين إزاي؟ دول مسجلين عليا إيصال أمانة على بياض، ومحاميهم الأستاذ وحيد باعتلي إنذار على يد محضر بسداد أول قسط من الربع مليون، ولو مدفعتش خلال أسبوعين، هيبعتوا الإيصال للمحكمة! إحنا اتقطعنا من كل ناحية يا أمّا، والسبوبة اللي كنتي بتقوليلي عليها اتقلبت على دماغنا!
فتحت فتحية عينيها بشړ، وقامت وقفت وهي بتعدل طرحتها لا عاش ولا كان اللي يكسر
هيبتنا! نيرة دي مكنش حيلتها غير شوية قرشين ورثتهم، وفاكرة نفسها هتعلم علينا؟ أنا هعرف إزاي أربيها وأخليها تيجي راكعة هي وأبوها لحد هنا، وكمان تدفع مصاريف صلح عشان تلم الڤضيحة!
٢. المكر السيئ ينقلب على أصحابه
الخطة الشيطانية اللي فكرت فيها فتحية كانت قايمة على السلاح المعتاد للناس اللي معندهاش أصل الشوشرة، وتشويه السمعة، والضغط بورقة الأطفال وحرمان الأب من الرؤية.
بعد تلت أسابيع، والجو كان هادي في العمارة اللي ساكنة فيها نيرة بالمعادي، فجأة صوت صړيخ وزعيق عالي رن في مدخل العمارة وصحى السكان كلهم. فتحية كانت جايبة معاها بنتها سحر، واتنين ستات من قرايبهم لسانهم زفر، وواقفين يرزعوا على باب الشقة افتحي يا خطافة الرجالة! افتحي يا اللي سارقة شقا ابني وطارداه في الشارع بلبس البيت! افتحي يا ظالمة وحارمة الراجل من بناته التوأم اللي لسه مشافش وشهم!
الجيران بدأوا يفتحوا البيبان ويبصوا بدهشة. نيرة من جوة سمعت الصوت، دقات قلبها زادت لحظة من الخضة، لكن بصت للبنات اللي نايمين في سريرهم، وافتكرت كلام أبوها اللي معاه الحق والقانون، ما يتهزش من صوت الغربان.
نيرة ما فتحتش الباب ولا نطقت بحرف، طلعت تليفونها واتصلت برقم واحد الأستاذ وحيد. أستاذ وحيد، حماتي وبنتها وناس معاهم واقفين

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *