عزه النفس في بلاد الغربه
نظيفة تلمك وتسيب الجامع وتجيب هدوم تليق بيك.. والفرصة دي ربنا اللي بيبعتهالك مش أنا، لو ضيعتها بظلم أو طمع تاني، مش هتلاقي حد يمدلك إيده أبداً.
وائل انهار تماماً، وقع على ركبه قدام الكاونتر ومسك إيد سامح وباسها، وكان عايز يبوس إيد أميمة بس هي سحبتها بسرعة وقالتله استغفر الله العظيم يا أستاذ وائل، متوطيش راسك لحد غير للي خلقك! قوم وقف على رجلك، الشغل هيبدأ من الفجر ومفيش وقت للدموع.
وائل قام ومسح دموعه بكمه، وضهره اللي كان محڼي حس إنه اتعدل شوية، وقال بنبرة مليانة عهد شرف قسماً بالله العظيم، وتربة أمي في قپرها، لو قطعتوا رقبتي مفيش قرش هيضيع ولا ظلم هيحصل في المكان ده طول ما فيا نفس بيطلع وبينزل.. ربنا يقدرني وأرد جمايلك دي لحد ما أموت!
مرت الأيام والشهور، ومطعم طبيخ أميمة بقى حديث المنطقة كلها. وائل التزم بكلمته كأنه اتولد من جديد؛ كان يجي قبل الفجر بنص ساعة، يراجع الخضار اللي نازل من العربيات حبة حبة، يوزن اللحوم بالجرام، ويظبط الحسابات بالورقة والقلم بحيث مفيش مليم يروح هدر، وكان بيعامل أصغر صبي في المحل بمنتهى الأدب والاحترام، كأنه بيعوض كل يوم تكبر عاشه في حياته القديمة.
سامح كان شايل خط التوزيع الخارجي على أكتافه، وجاب عربيتين تماية صغيرين وبقى يشغل شباب من فيصل يوزعوا معاه الوجبات للمصانع والشركات. والمطعم مبقاش مجرد محل صغير، أميمة وسعت المحل واشترت المحل اللي جنبه وفتحتهم على بعض، وبقى مطعم كبير فيه صالة عائلات راقية بنكهة بلدية أصيلة، حيطانها متزينة بصور الريف والفرن البلدي، والناس كانت بتيجي من كل مناطق القاهرة عشان تدوق طبيخ أميمة.
ومع النجاح الكبير ده، جه يوم الفرحة الكبرى اللي القرية كلها كانت مستنياه.
في ليلة جمعة منورة بالقمر في المنوفية، البلد كلها كانت مقلوبة زغاريد وأنوار. الصوان الكبير اتنصب في وسط الغيط جنب الترعة، والمولدات نورت الشجر والنخل، وصوت المزمار البلدي والطبول كان مسمع في كل القرى المجاورة. عم إبراهيم كان لابس قفطان جديد وعمة بيضا منورة، وساند على عكازه بس وشه كان بيشع نور وفرحة مكنتش شوهدت في عينيه من تلاتين سنة، وخالة فاطمة وأم رضا كانوا قاعدين جنب بعض بيوزعوا الشربات بالمية ورد ويزغرطوا من كل قلوبهم.
وفي الكوشة المتزينة بالورد الأبيض والرياحين، كانت أميمة قاعدة زي البدر المنور في ليلة تمامه، لابسة فستانها الأبيض البسيط وطرحتها الناصعة، وجنبها سامح، لابس بدلته وشايل عكاز الخيزران وبيرقص في وسط شباب البلد اللي شايلينه على كتافهم وبيغنوا للجدعنة والأصل الطيب.
الكل كان حاضر وفرحان.. وأم رحاب كانت جايبة عيالها ولابسين هدوم العيد وبيضحكوا، حتى وائل جه بنفسه من القاهرة مخصوص، لابس بدلة جديدة محترمة اشترى تمنها من شقاه، وواقف مع
الرجالة في الصوان يصب الشاي ويساعد في تقديم الأكل لأهل البلد بكل تواضع وخفة نفس كأنه واحد من العيلة.
في نص الفرح، لما الأغاني هديت شوية، قام عم إبراهيم ومسك إيد بنته أميمة ووقف في نص الصوان قدام كل الناس. طلع من جيبه نفس المنديل القماش الأبيض القديم، بس المرة دي المنديل مكنش فيه سبعة آلاف جنيه متخبيين پخوف؛ المنديل كان ملفوف فيه عقد ملكية فدانين أرض زراعية جداد أميمة اشترتهم لأبوها وضمتهم للقيراطين بتوعه، ومعاهم مفتاح بيت جديد مبني بالطوب الأحمر والخرسانة عشان يرتاح فيه في كبره.
عم إبراهيم رفع المنديل قدام الكل والدموع بتجري على خده شوفوا يا أهل البلد.. المنديل ده كان فيه دمعة وشقا، وبنتي أميمة بعفتها وصبرها وطيبة قلبها رجعتهولي فيه العز كله وراسي مرفوعة للسما! ربنا يبارك فيكي يا بنتي، ويطرح في طريقك البركة والستر طول ما أنتي ماشية برضايا ورضا أمك وعزة نفسك.
أميمة ارتمت في حضڼ أبوها وباست إيده وراسه، والزغاريد رجت الصوان كله واختلطت بصوت خرير مية الترعة اللي بتضخها ماكينة الري الجديدة، تروي الأرض الخضرا الممتدة تحت ضوء القمر.
أميمة بصت للسما البعيدة، وافتكرت الليلة اللي وقفت فيها في شارع جامعة الدول مطرودة وحيدة تليفونها مطفي وكيسها في إيدها، وافتكرت قد إيه كانت خاېفة من بكرة.. ابتسمت من قلبها وقالت في سرها الحمد لله يا رب.. لو علمتم كيف يدبر الرب أموركم لذابت قلوبكم من محبته.
وتقفلت حكاية أميمة بنت المنوفية.. حكاية البنت اللي داسوا على لقمة عيشها وظنوها هتنكسر، فنهضت بكرامتها وصبرت، وخلت نفس اللقمة دي تاج على راسها، وبنت من الظلم والۏجع طريق للعز والخير والبركة اللي مش بس كفاها، ده فاض وغطى على كل اللي حواليها.