اسكريبت النسر الذهبي

لو أنا بنتك فعلًا، إنت كنت فين كل السنين دي؟ فين كنت لما كنت بمشي في الشوارع والناس بتضحك عليّا؟ فين كنت لما كنت بنام جعانة؟ وفين كنت لما كنت بحاول أشتغل وأعيش من غير ما أمد إيدي لحد؟
الملك نزل عينيه في الأرض.
ما كانش عنده إجابة يقدر يقولها من غير ما يفضح نفسه أكتر.
كل اللي قدر يقوله
كنت غلطان وغلطتي مش هتتصلح بكلمتين.
في اللحظة دي، تقدّم حارس النسر العجوز، وانحنى أمام مارا، وقال
سمو الأميرة، النسر اختارك لأنه تعرّف على دمائك الملكية. لكنه ما انحناش ليكِ لمجرد إنك بنت الملك. من الواضح إن فيه حاجة فيكِ خلت الطائر يطمئن لكِ، بعد ما رفض كل النساء اللي حاولوا يقربوا منه.
مارا بصت للنسر، اللي كان واقف جنبها بهدوء، ثم رفعت إيدها ولمست ريشه برفق.
ولأول مرة في حياتها، حسّت إن فيه مخلوق بيبصلها من غير سخرية أو اشمئزاز.
سيليست تحاول إنقاذ مستقبلها
لكن مش كل الموجودين كانوا مستعدين يقبلوا الحقيقة بسهولة.
الكونت، والد سيليست، تقدّم بسرعة وقال
مولاي، مع كامل احترامي، ما ينفعش نغيّر مستقبل المملكة بناءً على قلادة قديمة وتصرف طائر! لازم نتأكد من هوية المرأة دي قبل ما نعلن أي شيء.
كان خاېف على نفوذه، لأنه لو مارا بقت الملكة، كل الخطط اللي كان بيرسمها عشان يخلي بنته تتحكم في الحكم هتنهار.
سيليست نفسها حاولت تستعيد هدوءها، وقالت بابتسامة متوترة
يمكن النسر اتصرف بالطريقة دي بالصدفة. مش معقول واحدة عاشت طول عمرها في الفقر تبقى مؤهلة لحكم مملكة كاملة.
لكن كلامها ما أثّرش في أحد زي ما كانت متوقعة.
مارا التفتت ناحيتها، وبصت لها بهدوء.

أنا مش عارفة إذا كنت أستحق العرش أو لأ. أنا ما اتعلمتش في القصور، وما عنديش ثروة، وما أعرفش كل قواعد السياسة.
لكن فيه حاجة واحدة أعرفها أنا عارفة كويس يعني إيه إن الإنسان يتحكم
عليه من شكله، ويُحرم من الفرص لمجرد إن الناس قررت إنه أقل منهم.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
ولو بقيت ملكة في يوم من الأيام، مش هسمح إن أي طفل أو ست أو رجل فقير يعيش نفس اللي أنا عشته، لمجرد إن الناس شايفاهم مختلفين.
الكلمات البسيطة دي خلّت بعض الحاضرين ينزلوا عينيهم في الأرض.
لأن كل واحد فيهم كان فاكر موقفًا أهان فيه شخصًا أضعف منه، أو ضحك فيه على إنسان لمجرد إنه مختلف.
أما سيليست، فحست إن الأرض بتنسحب من تحت رجليها.
لأول مرة، ما كانش عندها رد جاهز.
هل تصبح مارا ملكة إلفاريا؟
في الأيام اللي بعدها، أمر الملك بفتح سجلات القصر القديمة، واستدعاء الخدم اللي كانوا موجودين وقت ولادة ابنته.
وبعد التحقيق، ظهرت شهادات أكدت إن الأميرة اتولدت بالفعل في نفس الليلة اللي اختفت فيها الطفلة.
أما القلادة، فكان عليها نقش مطابق تمامًا لشعار الملكة إيزابيلا، وموجود في سجلات الهدايا الملكية القديمة.
وبكده، بقى فيه دليل قوي على إن مارا هي الأميرة المفقودة.
لكن الملك ما أعلنش تتويجها فورًا.
طلب منها تقضي فترة داخل القصر، تتعلم فيها شؤون الحكم والقوانين، وتتعرف على احتياجات الشعب، وتقرر بنفسها إذا كانت عايزة تقبل مسؤولية العرش.
ومارا وافقت، لكن بشرط واحد.
قالت للملك
أنا مش عايزة أعيش في قصر مليان ناس پتخاف مني عشان أنا بنت الملك. أنا عايزة أعيش بين الناس، وأسمع مشاكلهم بنفسي. ولو هبقى ملكة، لازم أبقى ملكة للشعب كله، مش للعائلات الغنية بس.
وافق الملك على طلبها، وبدأت مارا تتعلم، وكانت بتزور القرى والمستشفيات والأسواق، وتسمع للناس اللي عمر حد من العائلة الحاكمة ما اهتم يسمعهم.
ومع الوقت، بدأ الشعب يحبها، مش بسبب نسبها الملكي، لكن بسبب تواضعها وإحساسها بمعاناة الفقراء.
أما النسر الملكي، ففضل يرافقها كلما دخلت القاعة الكبرى، وكأنه بيعترف بيها قدام الجميع.
وفي يوم تتويجها، وقف كبار النبلاء في صفوف طويلة، وامتلأت ساحة القصر بالمواطنين اللي جُم من كل أنحاء المملكة عشان يشوفوا الأميرة اللي رجعت بعد غياب سنين.
ارتدت مارا فستانًا ملكيًا بسيطًا وأنيقًا، من غير مبالغة في الذهب أو الأحجار الكريمة، ووقفت أمام
العرش.
الملك لوسيان، اللي كان قد فقد احترام كثير من الناس بسبب خطيئته القديمة، تقدّم ووضع التاج فوق رأسها، ثم تراجع خطوة إلى الخلف.
أما مارا، فالتفتت إلى الحاضرين وقالت
أنا ما اخترتش الظروف اللي اتولدت فيها، ولا اخترت الطريقة اللي الناس عاملتني بيها. لكن أقدر أختار الطريقة اللي هعامل بيها غيري. ومن النهارده، مش هتكون قيمة أي إنسان في المملكة مرتبطة بجماله أو ثروته أو اسم عيلته. كل إنسان هيكون له حق في الكرامة والعدل.
ارتفعت الهتافات في الساحة، ورفرف النسر الملكي بجناحيه فوق العرش، بينما انحنى الحاضرون للملكة الجديدة.
وفي آخر القاعة، كانت سيليست واقفة صامتة، بتتذكر إزاي ضحكت على مارا قبل أيام قليلة، وإزاي كانت متأكدة إن الجمال والنفوذ كفاية عشان يخلوها ملكة.
لكن الحقيقة كانت أقسى من كل توقعاتها.
المرأة اللي اعتبروها أقبح واحدة في المملكة، أصبحت ملكتهم والسبب إن النسر رأى فيها ما عجز الجميع عن رؤيته.
أما الملك لوسيان، ففضل طول عمره يحاول يصلح غلطته، وعرف أخيرًا إن التاج ممكن يدي الإنسان سلطة، لكنه عمره ما يقدر يمحي الذنب من قلب صاحبه.
ومن يومها، اتغيرت قوانين إلفاريا، وبقت قصة مارا تُحكى للأطفال في المدارس، مش عشانها بنت الملك، لكن عشانها أثبتت إن قيمة الإنسان مش في شكله، وإن أحيانًا أكتر شخص الناس بتحتقره هو نفسه اللي يقدر يغيّر حياتهم للأفضل.
لكن السؤال اللي فضل الناس تتناقش فيه لسنين هل اختار النسر مارا لأنها أميرة من ډم ملكي فعلًا، ولا لأنه شاف فيها قلبًا نقيًا لم يفسده المال والغرور؟
يمكن محدش عرف الإجابة بشكل قاطع لكن كل اللي شافوا النسر وهو بينحني قدام مارا اتفقوا على حاجة واحدة
في اللحظة دي، اتعلمت المملكة كلها درسًا عمرها ما هتنساه إن المظاهر ممكن تخدع الجميع، لكن الحقيقة في النهاية بتلاقي طريقها للنور.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *