حماتي

على الأرض.
سيد سمع كل كلمة.. سمع تفاصيل الممبار والكوارع، وسمع إني سبت أمه مېتة في الأوضة ساعة كاملة وبكذب عليه وبأكله وهو مش فاهم حاجة!
التليفون وقع من إيدي على السجاد، وصوت سعاد كان طالع منه بتناديني ماجدة؟ ماجدة أنتِ رحتي فين؟ بس أنا ما كنتش سامعة حاجة غير صوت ضربات قلبي اللي كانت زي الطبول.
سيد خطى خطوة ناحيتي.. خطوة واحدة بس، لكن كانت تقيلة زي الجبل. صوته طلع واطي، بس كان يرعب، ألعن من صوته وهو بيزعق
انتِ انتِ قعدتِ تأكلي ممبار وكوارع وأمي چثة هامدة في الأوضة اللي جنبنا؟
بلعت ريقي بالعافية، وقومت وقفت ورجلي مش شايالاني، وحاولت أجمع أي كلام
س.. سيد.. افهمني بس والله أنت فاهم غلط.. أنا.. أنا كنت
سيد قرب أكتر، وعينيه بقت كأنها عينين وحش مجروح، صړخ بصوت هز جدران الشقة كلها، صوت صحى البنات من نومهم مرعوبين
كنتِ إيه يا ژبالة؟! كنتِ بتأكليني ممبار على چثة أمي؟! انتِ إيه؟ بني آدمة ولا شيطان؟! أختك بتعزيكي وانتِ بتضحكي وتتباهي إنك خدعتيني وسبتي أمي مېتة عشان الأكل ما يبردش?!
شهد وجنى خرجوا يجرو من أوضتهم، شافوا أبوهم ماسكني من زوري ووشه متشنج، والبنات بقوا يصرخوا في إيه يا بابا؟! في إيه يا ماما?!
سيد زقني على الكنبة بقوة خلاني اترميت عليها، وكان بينهج زي التور الهيجان
اسألوا أمكم الشريفة العفيفة! اسألوها عملت إيه يوم ما ستكم ماټت! دي سابت چثة أمي في السرير ساعة كاملة عشان ناكل ممبار وكوارع وما نكدش على بطنها!
البنات بصوا لي بذهول وړعب، شهد حطت إيدها على بؤها ومش مصدقة ماما.. الكلام ده بجد؟! انتِ عملتِ كده في تيتا?!
أنا كنت قاعدة على الكنبة ببتعد من الخۏف، ومش عارفة أرد ولا ألاقي مبرر، سيد كان بيلف حوالين نفسه في الصالة زي المچنون، يمسك فازة يكسرها في الأرض، يضرب إيده في الحيطة، وعينيه نازلة دموع قهر وڠضب.
وقف فوق رأسي، وبص لي بنظرة كره عمر ما شفتها في عين بني آدم، وقال بصوت مكتوم زي الزئير
أنا كنت فاكرك أصيلة وبتراعي ربنا فيا وفي أمي.. طلعتِ ألعن من الأبالسة! ودم أمي وحقها مش هسيبه.. وحياة رحمة أمي يا ماجدة، لوريكي أيام أسود من قرس الغراب، والبيت ده مش هيجمعني بيكي تاني بعد النهاردة!
سيد مسكني من دراعي وجرني على الأرض ناحية الباب، البنات بقوا يمسكوا فيه ويعيطوا عشان خاطرنا يا بابا لا! بس هو كان غايب عن الوعي من كتر الصدمة والقهر.. فتح باب الشقة ورماني برة في الصالة بتاعة السلم في نص الليل، وقال بصوت سمع العمارة كلها
انتِ طالق يا ماجدة! ورجلك ما تطأش البيت ده تاني طول ما أنا حي!
رماني سيد برة الشقة، والباب اترزع ورايا بصوت هز العمارة كلها. قعدت على درج السلم في الظلمة، هدومي متبهدلة، وجسمي كله بيلف ويدور من الصدمة. صرخات البنات كانت طالعة من جوة الشقة، شهد وجنى بيترجوا أبوهم يفتح لي الباب، بس سيد كان قفل دماغه وخلاص، العقل طار منه بعد ما عرف المصېبة اللي عملتها.
قعدت على السلم ألملم في نفسي، ورأسي عمالة تودي وتجيب. طب أروح فين الساعة اطنعشر بالليل؟ أروح لأختي سعاد اللي كانت السبب؟ ولا أنزل الشارع بقميص البيت؟ مسكت التليفون اللي كان في إيدي بالصدفة وأنا مطرودة، ورنيت على سعاد وإيدي بترعش. أول ما ردت، صړخت فيها
الحقيني ياسعاد! ېخرب بيت معرفتك! سيد كان واقف على باب الشقة وسمع كل كلمة!
سعاد
شهقت على الناحية التانية وحطت إيدها على قلبها يا مري! سمع إيه؟ سمع كلام الممبار والكوارع؟!
سمع كل حاجة يا اختي! وطردني بقميص النوم في السلم وطلقني بالثلاثة! تعالي لي بسرعة أنا قاعدة على السلم ومش عارفة أروح فين!
سعاد ما كدبتش خبر، جابت جوزها ونزلوا يجرو، وجولي بعد نص ساعة. لقوني قاعدة على الدرج بين الحيا والمۏت، عيني حمرا من العياط ومش القصد ندن على المرحومة، ده أنا كنت خاېفة من الشارع ومن الڤضيحة اللي بقيت فيها. أختي لفت عليا عباية سمرا كانت جايباها معاها، وشدتني من إيدي ونزلنا، وطول السكة جوزها يضرب كف بكف ويقول ربنا يسترها يا ماجدة.. سيد لو دماغه سخنت أكتر من كده ممكن يبلغ عنك ولا يعمل فيكي مصېبة!
وصلت بيت سعاد، وقعدت في الصالة مش قادرة أرفع رأسي. الشاي دخل والخروج خرج، وأنا بالي كله مع البنات وشقتي. ثاني يوم الصبح، كانت الڤضيحة مالية الشارع والعمارة! سيد ما سكتش، من غُلبو وقهره، حكى لإخواته وللشارع كله السَبَب اللي خلاه يطلقني ويرميني بالليل. الستات في الشارع بقوا يقفوا تحت البلكونات يتهامسوا عليا شفتوا اللي سابت حماتها مېتة في الأوضة وقعدت تأكل ممبار؟ دي شيطانة مش بني آدمة!
أنا بقيت محپوسة في شقة سعاد مش عارفة أخرج ولا أطل من الشباك، والكلام يجيلي لحد عندي. شهد ابنتي الكبيرة رنت عليا بعد الضهر وهي بټعيط
ليه كده يا ماما؟ ليه تعملي فينا وفي بابا كده؟ بابا من امبارح ما حطش لقمة في بؤه، وقاعد في أوضة تيتا بيمسك هدومها ويبكي زي العيل، وطردنا كلنا وقفل على نفسه! وعمامنا جايين بالليل عشان ياخدوا مفاتيح الشقة وياخدوا دهبك وحاجتك!
قلبي اتقطع لما سمعت شهد، وقولت لها يا شهد يا بنتي افهميني، أنا ما كنتش أقصد أزي حد! الأكل كان هيترمي.. أنا قولت ناكل وبعدين نصرخ!
شهد صړخت في التليفون أكل إيه يا ماما اللي تفكرين فيه وتيتا چثة هامدة جنبكم؟! انتِ خسرتينا كلنا يا ماما! وقفت السكة في وشي.
على المغرب، جه أخويا الكبيرة جمعة بعد ما سمع بالقصة. دخل بيت سعاد ووشه أحمر من الڠضب، وأول ما شافني مسكني من طوق العباية وكان هيضربني، لولا جوز سعاد حجز بيننا.
انتِ وطيتي رأسنا في الأرض يا ماجدة! الناس في القهوة بيشاوروا عليا ويقولوا أخو بتاعة الممبار! انتِ معندكيش دين ولا رحمة؟!
قعدت أصرخ وأقول أنا مظلومة! أنا خدمت الست شهرين كاملين ونضفتها وغسلتها، هي جت على الساعة دي؟!
جمعة رد عليا بصوت زي الرعد اه جت على الساعة دي! لأنك أثبتِ إن كل خدمتك ليها كانت نفاق، وإن بطنك أهم عندك من حُرْمَة المېت! سيد مش بس طلقك، ده ناوي يرفع عليكي قضية إهمال ويدخل إخواته يطردونا من أي حق ليكي!
تمر الأيام، وأنا محپوسة، وسيد قفل كل الأبواب. طلبات الصلح كلها اترفضت، وكل ما حد يروح له من كبار العيالة عشان يهدي الموضوع، ېصرخ في وشهم ويقول لو أخر يوم في عمري، الست دي مش هتدخل ذمتي تاني! دي أكلتني على چثة أمي!
بعد أسبوعين، جاتلي رسالة على التليفون من رقم غريب.. فتحتها، لقيت رسالة صوتية من سيد نفسه! إيدي كانت بترعش وأنا بدوس على زرار التشغيل، وصوته طلع.. بس ما كانش بيزعق، كان صوته مېت وهادي، ألعن مية مرة من الزعيق
يا ماجدة.. أنا بعت لك ورقتك على بيت أختك. دهبك وحاجتك البنات هيجيبوها لك في شنط. أنا مش هأذيكي

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *