العزومة حكايات روماني مكرم 1

كان هذا الاعتذار البسيط، رغم قلته، نصراً كبيراً للحق ولإعادة التوازن داخل هذه العائلة.

انطلق أذان المغرب في تلك الليلة من مأذنة المسجد الرفاعي القريب، فتجمعت العائلة كلها على سفرة واحدة كبيرة في منزل الجدة. جلس الأطفال يضحكون سوياً، بما فيهم ياسين وابنة عمه، يتبادلون العصير والحلويات دون خوف أو قيود.

تنفسنا الصعداء جميعاً، وتأكدت في تلك الليلة أن المواقف الصعبة، رغم مرارتها، هي الوحيدة الكفيلة بإظهار معادن الناس، وأن الكرامة التي نتمسك بها بحكمة وأصول لا بد أن تفرض احترامها على الجميع في النهاية.

على تلك السفرة الرمضانية الدافئة في بيت الجدة، بدا أن المياه عادت إلى مجاريها ظاهريًا، لكن المشاعر التي جُرِحت لا تلتئم بسرعة بمجرد اعتذار مقتضب فرضته الظروف. كانت نجوى تتناول طعامها بصمت غير معتاد، تنظر إلى الأطباق بنظرات شاردة، بينما يتبادل خالد وإسماعيل أطراف الحديث حول العمل وشؤون الحياة، محاولين ردم الفجوة التي أحدثتها أزمة الأمس.

بعد الإفطار، وبينما كنا نرتشف الشاي في الصالة، استأذنت نجوى ودخلت إلى إحدى الغرف الداخلية بحجة أنها تريد أن ترتاح قليلاً من أثر الصداع. لم يمر الكثير من الوقت حتى خرجت ابنتها الصغيرة “جنى” تجري نحو إسماعيل وهي تحمل هاتف أمها، وقالت ببراءة الأطفال: “بابا.. ماما بتعيط جوه وبتقول إنها ماشية تروح بيت أهلها.”

توقف الحديث في الصالة تماماً. نظر إسماعيل إلى ابنه وابنته ثم إلى أمه، وظهرت على وجهه علامات الإرهاق الشديد. وضع كوب الشاي على الطاولة وقام ببطء نحو الغرفة، ومشى خالد خلفه بهدوء حتى لا تتفاقم الأمور وتخرج عن السيطرة في بيت أمهما.

في الغرفة، كانت نجوى تجمع حقيبتها اليدوية وتضع فيها بعض أغراضها الشخصية وهي تبكي بحرقة، لكنها لم تكن دموع ندم، بل كانت دموع كبرياء جريح. عند دخول إسماعيل وخالد، التفتت إليهما وقالت بنبرة حادة يكسوها الخذلان: “إنت كسرتني قدام أهلك يا إسماعيل.. وقفت قدام أمك وأخوك ومراته وطلعتني أنا الغلطانة والمفترية! بعد السنين دي كلها تبيعني عشان سجادة وعصير؟”
وقف إسماعيل أمامها بثبات، وقال بصوت خفيض ولكن صارم: “أنا ما بعتكِش يا نجوى، أنا بعت الغرور والتكبر اللي سيطروا عليكي. إنتي بقالك سنين بتتعاملي مع الناس ومع أهلي بمنطق الأفضلية والسيطرة، وكلنا بنعدي ونقول معلش عشان خاطري وعشان البيت يكمل. لكن توصل بيكي الدناءة إنك تطردي أخويا وعيلته في رمضان؟ وتيجي تتبلي عليهم قدام أمي؟ دي مش مجرد عصبيّة، دي قسوة قلب أنا ما أقدرش أقبلها على نفسي ولا على عيلتي.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *