العزومة حكايات روماني مكرم 1

سلمنا على الجدة التي ردت السلام بجفاف واضح، ينم عن تأثرها الشديد برواية نجوى التي سبقتنا بساعات. وقبل أن نلس على المقاعد المجاورة، بادرت الجدة بالحديث بصوت يحمل نبرة العتاب القاسي: “أهلاً يا خالد.. أهلاً يا هند. نورتوا. كنت أتمنى تدفعوا الباب بإبتسامة وسط إخواتكم، مش تيجوا بعد ما عملتوا مشكلة هزت البيت كله وجايين تكملوا على قعدتنا.”

تطلع خالد إلى أمه بوقار، ثم جلس أمامهما على المقعد الخشبي المتقابل وقال بهدوء: “يا أمي، إحنا جينا النهاردة عشان خاطرك إنتي بالذات. عشان نسمعك الحقيقة من غير تزويق ولا ادعاء مظلومية. اللي اتقالك عن اللي حصل في بيت إسماعيل ناقص، ومقلوب رأسًا على عقب.”

تحركت نجوى في جلسة حادة وقالت بصوت متصنع الأنين: “مقلوب إيه يا خالد؟ هو العصير اللي أغرق سجادتي الاستيراد كان وهم؟ ولا صراخ هند في وشي في بيتي ومطبخي كان خيال؟ أنا اللي اتهنت في بيتي قدام جوزي، والسجادة اتدمرت، وعزومتي اللي تعبت فيها من الفجر باظت!”

التفتُّ إليها بثبات، ولأول مرة لم أسمح لنفسي بالصمت أو الانسحاب كما أفعل عادة تحاشياً للمشاكل. قلت بصوت واضح ونبرة هادئة هزت أركان الصالة: “يا نجوى، العصير وقع.. دي حقيقة محدش نكرها، والولد طفل عنده 7 سنين اتكعبل وهو بيلعب. لكن الحقيقة اللي نسيتي تقوليها لطنط هي إنك استقبلتينا من الباب بنظرة قرف من علبة الحلويات اللي جايبينها، وقلتي بكسرة عين ‘إحنا مانعين السكر’. الحقيقة إنك رفضتي مساعدتي مرتين بأسلوب يقلل مني، والحقيقة الأكبر إنك مسكتي ابني من دراعه بعنف وصصرختي في وش طفل رعيته وهنتيه، وساعتها بس أنا اتدخلت عشان أحمي ابني، مش عشان أغلط فيكي.”

انقضت نجوى قائمة: “أنا رعيته؟ أنا بتكلم عن نظام بيتي! إنتوا جايين تفرضوا نظامكم عليا؟”

هنا تداخل إسماعيل، الذي كان يجلس في زاوية الغرفة مطأطئ الرأس، ورفع رأسه فجأة وقال بصوت قاطع لم يعتده أحد منه: “بس يا نجوى! اسكتي بقى!”

ساد الصمت المفاجئ الصالة. تطلعت الجدة إلى ابنها الأكبر بذهول، فنملأ إسماعيل صدره بالهواء واستطرد قائلاً: “أنا سكت بالأمس عشان ألم الدور وما فضحش بيتي قدام أخويا، لكن اللي بتقوليه ده افترى. هند بتتكلم صح. نجوى كانت متوترة من الصبح، واستقبلتهم بأسلوب ناشف. ولما العصير وقع على السجادة، اتجننت ومسكت الولد بغل وتلفظت عليهم، وقالتلي يا تطردهم يا مش هقعد في البيت. خالد مرضاهاش على كرامته، وأنا لو مكانه كنت عملت زي ما عمل بالضبط وخرجت مرفوع الرأس.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *