ثمن القناع الجزء الاول حكايات مني السيد
إنت سقعان يا بني؟ إنت كلت حاجة؟ إنت هتعيش فين بعد كده؟. كل اللي كان فارق معاها هو مظهرها قدام شوية ستات هيقعدوا ساعتين ياكلوا ويهضموا ويمشوا يتكلموا عليها في ضهرها.
طارق ضحك ضحكة مكسورة، ضحكة طالعة من قاع الهزيمة هو ده اللي فارق معاكي يا أمي؟ صالونك الثقافي؟ طب انزلي بقى الصبح هاتي لهم عيش وفول وفلافل وقوليلهم ده أكل شعبي أرستقراطي، عشان أنا مرتبي خلص، وفيزتي اتسحبت، ومعنديش مليم أحمر في جيبي!
مديحة بصت له باحتقار وقامت وقفت قوم يا طارق من على الصالون.. قوم نزل الكراتين المقرفة دي في البلكونة اللي ورا، ريحتها تراب.. وادخل نام في أوضة الخزين الصغيرة لحد ما نشوف المصيبة دي هتتحل إزاي الصبح. أنا لازم أكلم خالتك دلوقتي تشوفلي حل، ولا أطلب ديليفري بالشيء الفلاني على حسابك الشهر الجاي.
بعد مرور ست شهور..
في شقة بسمة، كانت الشمس داخلة من البلكونة منورة الصالة كلها.
ريحة البيت كانت مخبوزات طازة وفانيليا. ترابيزة السفرة، اللي كانت زمان شاهدة على النكد والفقر المستخبي، كان عليها فطار بسيط بس مليان بركة بيض مسلوق، جبنة قريش بالنعناع وزيت الزيتون، طماطم وخيار متقطعين، وعصير برتقال فريش.
مازن كان قاعد لابس مريلة المدرسة الجديدة، بياكل الساندوتش بتاعه وبيضحك مع أخته مريم اللي كانت بتلعب بمكعبات ألوانها مبهجة على السجادة.
جرس الباب رن. بسمة راحت فتحت، كان الأستاذ سعيد المحامي، لابس بدلته وشايل شنطة جلده في إيده.
صباح الخير يا بنتي، جمعة مباركة. صباح الفل يا عم سعيد، اتفضل.. تشرب شاي ولا قهوة؟ تسلم إيدك يا بنتي، قهوة مظبوطة لو مفيش تعب.
قعد الأستاذ سعيد وطلع ملف من شنطته، وحطه على السفرة جبتلك الأخبار اللي تبرد القلب يا بسمة. بسمة قعدت قدامه وعينيها فيها ثقة وهدوء ما كانوش موجودين من سنين خير يا عم سعيد؟ الحمد لله، حكم الطلاق للضرر صدر رسمي وبقى نهائي، وانتي دلوقتي حرة تماماً. وحكم النفقة نزل، المحكمة ألزمت طارق بدفع خمس تلاف جنيه شهرياً نفقة للصغار وأجر مسكن، وده اقتطعناه رسمي من مرتبه من التوكيل مباشرة قبل ما يشوف منه قرش.
بسمة اتنفست بارتياح والوصل الأمانة بتاع والدي الله يرحمه؟ سعيد ضحك ضحكة خفيفة طارق جه مكتبي الأسبوع اللي فات زي الفرخة المبلولة.. كان بيبوس إيدي عشان نتنازل عن قضية الوصل وميتحبسش. قولتله بشرط واحد تتنازل عن أي حق في حضانة العيال، وتمضي إقرار بعدم التعرض لبسمة أو محاولة دخول العمارة نهائي. ومضى وهو باصص في الأرض، وشه ما رفعوش من البلاط.
بسمة بصت لعيالها في الصالة، وحست بامتنان كبير لربنا ولنفسها إنها مضعفتش.
وهو عامل إيه دلوقتي يا عم سعيد؟ عايش مع أمه في الشقة القديمة، سايب شغله في التوكيل بعد ما اتخانق مع المدير بتاعه عشان كان بيطلب سلفيات كتير ومرتبه بقى يروح نفقات وديون، وبيشتغل دلوقتي في معرض عربيات مستعملة بمرتب أقل.. وأمه الست مديحة سابت النادي بعد ما اتخانقت مع صحباتها، ودايرة تقول في العيلة إنك انتي اللي خربتي بيت ابنها وعملتيله عمل!
بسمة ضحكت ضحكة صافية من قلبها، نبرتها كانت هادية ومستغنية خليهم يقولوا اللي يقولوه يا عم سعيد.. الكلام مبيدفعش فواتير ولا بيملى تلاجات. اللي بيعيش عشان كلام الناس، بيموت ميتة كلاب من الجوع وهو لابس حرير.
قامت بسمة، جابت فنجان القهوة وقدمته للمحامي، ورجعت قعدت جنب بنتها مريم، مسكت إيدها الصغيرة وبدأت تبني معاها برج بالمكعبات.. برج حقيقي، مبني على أرض صلبة، مفيش نفخة كدابة تقدر تهده تاني أبداً.