ثمن القناع الجزء الاول حكايات مني السيد
لمحة نيوز
حلاوة ابنك يا مديحة، بارّ بيكي وشايلك فوق كتافه؟!
قامت من جنب العيال وهي واخدة القرار خلاص. مفيش دموع، مفيش مناهدة، ومفيش كلمة ليه بتعمل كده يا طارق؟ اللي اتقالت ألف مرة قبل كده وكانت نهايتها إنه يرمي تهمة الفقر والنكد عليها.
طلعت الصالة بهدوء، كان طارق لسه واقف في البلكونة بيتكلم وضحكته مجلجلة لا يا حبيبتي، ده أقل واجب.. ده إنتي الغالية، أنا لو جبتلك حتة من السما مش هتغلى عليكي.. رقاق ولحمة مفرومة وشوربة بط؟ من عيني يا أمي، كل حاجة هتكون مرصوصة في السيرفيسات بتاعتك زي ما طلبتي.
بسمة ما وقفتش تسمع بقية وصلة النفاق. دخلت أوضة النوم، فتحت الدولاب وراحت لأخر رف فوق، طلعت الدوسيه البلاستيك الكحلي اللي شايلاه من سنين. فتحت السوستة وطلعت ورقة معينة عقد إيجار الشقة.
الشقة دي كانت من أول يوم باسمها هي. أبوها الله يرحمه هو اللي دفع مقدمها الكبير، وهو اللي كان ضامنها، وصاحب العمارة كان راجل صاحب أبوها من زمان وكاتب العقد لبسمة بس، وحتى الوصل الشهري بيطلع باسم بسمة شاكر عبد الرحيم. طارق كل اللي كان بيعمله إنه بيدفع الإيجار الشهري بالعافية، وكان كل شهر يذلها بيه ويقول أنا اللي شايل البيت وشايل السقف اللي مداريكم!، متناسي تماماً إن أثاث البيت كله، من السجادة للنجفة، هو جهازها اللي أبوها طلع روحه عشان يجيبه.
رجعت الورقة في الدوسيه، وطلعت ورقة تانية وصل أمانة قديم طارق كان ماضيه لأبوها قبل الجواز لما استلف منه خمسين ألف جنيه عشان يكمل شبكتها ومنظرة الفرح اللي أمه أصرت يتعمل في قاعة خمس نجوم، وطبعاً ما سددش مليم من ساعتها وقال هو عمي الله يرحمه هياخد مني فلوس؟ ده في مقام والدي!.
بسمة ضمت الورقتين على صدرها، وابتسمت ابتسامة باردة مفيهاش أي حرارة.
قعدت على الكنبة وفتحت اللاب توب بتاعها، دخلت على حسابها البنكي اللي عملاه من وراه. بصت على الرقم اتنين وسبعين ألف جنيه. ده شقا تلات شهور من السهر وكتابة الإعلانات والترجمة والتسويق لشركات برة مصر، غير مدخرات صغيرة كانت شايلاها على جنب. الرقم ده كافي جداً إنه يعيّشها هي وعيالها شهور طويلة مرتاحين من غير ما تحتاج مليم أحمر من بني آدم.
الساعة كانت داخلة على حداشر بالليل لما طارق دخل من البلكونة، وشه منور ورجع له مزاجه العالي، وبص لها وهي بتبص في شاشة اللاب إنتي لسه سهرانة تنقري على البتاع ده؟ ده وجع دماغ على الفاضي، بتضيعي وقتك في ملاليم وتسيبي بيتك متبهدل.
بسمة رفعت عينيها بهدوء تام، ونبرة صوتها كانت باردة زي التلج بضيع وقتي عشان ما أطلبش منك تمن بامبرز مريم، ولا تمن جزمة مازن.
طارق نفخ بضيق ودخل على المطبخ ورجعنا للاسطوانة السودة تاني! هو إنتي مابتتعبيش من النكد؟ بدل ما تقومي تحطيلي لقمة أكلها بعد يوم شغل طافح فيه الدم، قاعدة تحسبيها بالورقة والقلم؟ هو البيت ده مفيش فيه حاجة تتاكل خالص؟!
التلاجة قدامك يا طارق، فيها بيض وفول وجزر.. العيال اتعشوا من ده وناموا، شوف إنت عايز إيه وكل.
فتح باب التلاجة ورزعه تاني بغل بيض وجزر؟! إنتي شيفاني أرنب؟! بقى أنا طارق عبد الله اللي بشتغل في أكبر توكيل عربيات، أرجع بيتي أتعشى جزر؟!
بسمة قفلت اللاب توب براحة، وقامت وقفت قدامه مش إنت لسه قايل للعيال يمشوا حالهم برز وعدس؟ قولت لنفسي أكيد اللي يرضاه لعياله يرضاه لنفسه، ولا الأصول بتتغير لما بتدخل بطنك؟
طارق وشه احمر وعروق رقبته نفرت، وقرب منها خطوة وهو بيزعق الزمي حدودك يا بسمة! أنا هنا الراجل، وأنا اللي بقرر الفلوس تروح فين ومين ياكل إيه! وأمي دي خط أحمر، تراب رجليها برقبتك وبرقبة أي حد! يوم السبت ده عزوة وشرف ليا قدام الناس، ومش هسمح لوحدة زيك تدفن راسي في الطين قدام أهلي عشان شوية طلبات تافهة للعيال! والجمعة بالليل حاجتها كلها هتيجي هنا وأنا اللي هوصلها بنفسي بعربيتي، ومش عايز أسمع صوتك لحد ما الأسبوع ده يعدي، فاهمة ولا لأ؟!
بسمة بصت في عينيه مباشرة، من غير ما ترمش، ومن غير ما تتهز شعرة واحدة فيها فاهمة جداً يا طارق.. وعارفة كويس أوي إيه اللي هيحصل يوم الجمعة.
طارق بصلها بشك للحظة، استغرب هدوءها المفاجئ. كان متعود لما بيزعق إنها تبكي، أو تدخل تضرب كف على كف في الأوضة، لكن المرة دي نظرتها كانت غريبة.. نظرة حد شبعان استغناء. بس غروره عماه، وافتكر إنها خافت وجابت ورا. أيوة كده، اتعدلي واعرفي مقامك.. أنا داخل أنام، وتصحي بدري تكويلي القميص الكحلي عشان عندي اجتماع مهم بكرة في الشركة.
دخل الأوضة ورزع الباب وراه.
بسمة وقفت في الصالة لثواني. ممدتش إيدها على قميصه ولا قربت منه. دخلت نامت جنب ولادها على السرير الصغير، حضنتهم بكل قوتها، وقضت الليلة دي بتفكر في تفاصيل الخطة بدقة جراح بيجهز لعملية بتر.
يوم الأربعاء
أول ما طارق نزل الشغل الساعة تمانية الصبح، بسمة اتحركت.
لبست عبايتها ونزلت بالعيال. أول مشوار كان لمحل جزم في أول الشارع، جابت لمازن كوتشي جديد ومريح، واشترت لمريم طقمين خروج وشوزات جديدة وبامبرز من أنضف نوع. عينيها لمعت لما شافت فرحة مازن وهو ماشي في الشارع