كانت علي الحدود تعدي

وفجأة، لمح هيئة مألوفة. امرأة مسنّة نحيفة جدًا، منحنية الظهر، تدفع دراجة قديمة بجانبها. توقف. جدتي قال بحذر. أأنتِ؟ رفعت عينيها، نظرت إليه طويلًا، ثم ابتسمت بخفة. آه يا بني، لقد كبرت في السن… إذًا أنت هو. وقفا صامتين للحظة.

كانت السنوات قد مرت بسرعة، لكن بعض الوجوه تظل عالقة في الذاكرة مهما طال الزمن. كان ينظر إليها محاولًا أن يتأكد من ملامحها، بينما كانت هي تبتسم ابتسامة هادئة، وكأنها كانت تعرف منذ اللحظة الأولى أنه سيتعرف إليها في النهاية.

تأملها طويلًا، ثم قال لم أكن أتوقع أن أراك مرة أخرى بعد كل هذه السنوات. ضحكت الجدة بخفة وقالت الدنيا صغيرة يا بني… والطرق التي نظن أننا لن نسلكها مرة أخرى، قد تعيدنا إليها بعد سنوات. وقف الرجل للحظات، ثم لم يستطع كبح فضوله الذي ظل يرافقه طوال سنوات عمله.

كان هناك سؤال واحد ظل عالقًا في ذهنه منذ أيام شبابه، سؤال لم يجد له إجابة رغم كل محاولاته. اقترب منها قليلًا وقال بهدوء أخبريني شيئًا واحدًا فقط. نظرت إليه باستغراب. تابع كنتِ دائمًا تنقلين شيئًا عبر الحدود في ذلك الكيس.

سكت لحظة، ثم ابتسم وقال أتذكر أنك كنت تأتين بدراجتك القديمة، ويكون ذلك الكيس معك دائمًا. هزت رأسها ببطء. قال أرسلنا الرمل للفحص مرات كثيرة. فتشنا الأكياس، وفحصنا محتوياتها، وأخذنا عينات منها، وقلبناها مرات ومرات.

ثم ضحك وقال لكننا لم نصل إلى شيء. تنهد، وأضاف كنت أعمل وقتها في الجمارك، وكان الموضوع يثير شكوكي باستمرار. كنت أقول لنفسي لا يمكن أن تعبر الحدود كل هذه المرات وتحمل شيئًا معها ولا نكتشفه. ثم نظر إليها مباشرة وقال أنا متقاعد الآن، ولن أخبر أحدًا.

أريد فقط أن أعرف الحقيقة. ماذا كنتِ تنقلين طوال تلك السنوات؟ ظلت الجدة صامتة للحظات. نظرت إلى الرجل، ثم نظرت إلى دراجتها القديمة التي كانت تقف إلى جوارها. كانت الدراجة تبدو عادية جدًا. قديمة، بسيطة، ومليئة بآثار الاستخدام. ثم انفجرت الجدة في ضحكة قصيرة. ضحكة جعلت الرجل أكثر حيرة.

قال لماذا تضحكين؟ اقتربت من الدراجة، وربتت برفق على مقودها، وقالت لأنكم كنتم تبحثون في المكان الخطأ طوال الوقت. عبس الرجل. وقال ماذا تقصدين؟ ابتسمت وقالت أنتم فحصتم كل شيء إلا الشيء الأهم. سألها وما هو الشيء الأهم؟ أشارت إلى الدراجة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *