جوزي نسي يجيب بنتنا من الروضه

وافقت عليه فقط.
وقبل ما أمشي، آسر قال أنا كل يوم بفكر في آخر مرة شوفت فيها ندى. كانت بتقول لي إنها عايزة نروح نشتري لها شنطة مدرسة جديدة، مع إنها لسه صغيرة. وأنا قلت لها بعدين.
سكت، وحاول يكمل، لكنه ما قدرش.
أنا كمان افتكرت صوت ندى وهي بتجري ناحيتي، وطريقتها وهي بتقولي إنها بتحبني أكتر من كل الحلويات اللي في الدنيا.
لكنني ما سمحتش للذكرى إنها ترجعني لنفس المكان اللي قضيت فيه شهورًا.
قلت لآسر أنا مش هقدر أسامحك على إنك ما كنتش موجود في اليوم ده. ومش هقدر أنسى إنك كنت بتخبي عني حاجات تخص حياتي واسمي. لكن أنا مش عايزة أفضل طول عمري مربوطة بيك عن طريق الۏجع.
هز راسه، وعينيه امتلوا بالدموع.
قلت لو عايز تعمل حاجة لندى، خليك مسؤول عن حياتك من هنا ورايح. ما تكذبش، وما تستخفش بوقت حد، وما تعتبرش إن الاعتذار بيمسح كل حاجة.
قام من مكانه، وقال هحاول.
رديت المحاولة دي مش عشاني.
ومشيت.
رجعت دبي، وبدأت أركز في شغلي، وفي البيت الصغير اللي اخترته لنفسي، وفي الحياة اللي كنت فاكرة إني فقدتها للأبد.
احتفظت بصور ندى في مكان واضح، مش عشان أفضل أعيط كل يوم، لكن عشان ما أنساش إن حياتها، رغم قصرها، كانت مليانة ضحك وحب.
وفي يوم عيد ميلادها، رحت حديقة هادية، وخدت معايا فستانها الأصفر الصغير اللي احتفظت بيه من آخر أسبوع كانت فيه معايا.
قعدت على كرسي تحت شجرة، وفتحت دفترًا جديدًا كنت اشتريته مخصوص.
كتبت فيه كل الحاجات اللي كنت نفسي أقولها لها.
كتبت عن أول مرة نطقت فيها كلمة ماما، وعن ضحكتها لما كانت بتستخبى ورا الستارة، وعن اليوم اللي أصرت فيه تختار حذاء وردي رغم إن الحذاء كان أكبر من مقاسها.
وكتبت عن الۏجع، وعن الڠضب، وعن الأسئلة اللي لسه ما لقيتش لها إجابة كاملة.
لكن في آخر الصفحة كتبت
يا ندى، أنا مش هقدر أغير اليوم اللي مشيتي فيه، ومش هقدر أرجع الزمن عشان أكون جنبك. لكن أقدر أوعدك إني مش هخلي اللي حصل يحوّلني لإنسانة بتعيش على الكراهية. هفضل فاكرة، وهفضل أحبك، وهكمل حياتي من غير ما أسمح لحد ياخد مني الباقي.
قفلت الدفتر، ورفعت عيني للسما.
ما حسيتش إن الحزن اختفى، ولا إن الچرح اتقفل. لكنني حسيت إنني أخيرًا قادرة أقف من غير ما أستند على ڠضبي.
وبعد شهور، وصلتني رسالة من نادية.
كان فيها تحديث عن القضية المالية، وإن المستندات اتفحصت، وإن التوقيع المنسوب ليا لم يكن توقيعًا أصليًا. وإن التحقيقات أثبتت مسؤولية أشخاص عن إعداد وتقديم أوراق غير سليمة، بينما ظلت بعض التفاصيل محل نظر الجهات المختصة.
ما كانش في الرسالة انتصار كبير، ولا لحظة اڼتقام، ولا اعتراف سحري يفسر كل شيء.
كان فيها حقيقة واحدة كفاية بالنسبة لي اسمي اتستخدم من غير موافقتي، واللي حصل ما كانش وهمًا في دماغي.
أما مۏت ندى، ففضلت حكايته مرتبطة بالوقائع اللي أمكن إثباتها، مش بالشكوك اللي كنت أتمنى تتحول ليقين.
وفي آخر الرسالة، نادية كتبت جملة صغيرة
أهم حاجة إنك ما سيبتيش وجعك يخليكي تتنازلي عن حقك في الحقيقة.
ابتسمت وسط دموعي.
لأول مرة، ما حسيتش إني محتاجة أرد على آسر، أو أسأل كريم عن سبب واحد من أسباب كذبه، أو أستنى شريف يعترف بكل اللي يعرفه.
كل واحد فيهم بقى مسؤول عن اللي عمله، وعن اللي هيقوله قدام القانون، وعن حياته بعد كده.
وأنا بقيت مسؤولة عن حياتي.
مرت سنة كاملة.
في ذكرى رحيل ندى، رجعت مصر، وزرت قپرها مع أخويا كريم، بعد ما وافقت على وجوده بشرط إننا ما نتكلمش عن أي حاجة تخص القضية هناك.
وقف بعيد عني، وما حاولش يبرر أو يطلب السماح.
بعد شوية، قال بصوت مكسور أنا عارف إنك مش هتثقي فيا زي الأول.
ما بصيتلوش.
قلت الثقة مش كلمة بنرجع نقولها. دي حاجة بتتبني، ولو اتكسرت، مش من حق حد يطلبها من اللي كسرها.
فضل ساكت.
وبعد لحظة، قال أنا آسف على كل حاجة.
رديت أتمنى تكون فاهم أنت آسف على إيه بالضبط.
مشيت بين شواهد القپور، وحطيت وردة صغيرة عند قبر بنتي.
ما كنتش مستنية معجزة، ولا كنت مستنية صوت يطمني إن كل حاجة بقت كويسة.
كنت بس عايزة أقول لها إني لسه هنا.
وإنني، رغم كل اللي حصل، ما نسيتهاش يومًا.
بعدها رجعت دبي، وكملت حياتي.
ما اتجوزتش مرة تانية، وما قررتش إني أكره كل الناس. اشتغلت، ونجحت، وكونت صداقات جديدة، وبدأت أتعلم إن السلام مش معناه إنك تنسى، لكنه معناه إن الذكرى ما تبقاش قادرة تتحكم في كل قرار بتاخده.
وفي يوم، وأنا برتب أوراقي، لقيت صورة قديمة لندى وهي قاعدة على الأرض وبتلون رسمة بيت صغير، وحواليه شمس كبيرة وشجرة خضراء.
على ظهر الصورة، كنت كاتبة بخطي
بيتنا الحلو.
قعدت أبص للصورة طويلًا، وبعدين حطيتها في إطار جديد.
ما عدتش أخبي صورها خوفًا من الۏجع، وما عدتش أفتحها عشان أعاقب نفسي.
بقيت أبص لها وأفتكر إنها كانت هنا فعلًا، وإنها عاشت أربع سنين من الحب والضحك، وإن نهايتها ما تمسحش كل اللحظات الحلوة اللي عشناها مع بعض.
أما آسر، ففضل بعيدًا عن حياتي، وكل واحد فينا مشي في طريقه. ما بقاش بيننا بيت مشترك، ولا وعود، ولا محاولة لإصلاح شيء انتهى. بقيت بيننا فقط مسؤوليات لازم تتقفل، وذكريات عمرها ما هتختفي.
وكريم، أخويا اللي كنت فاكرة إني أعرفه من غير ما يتكلم، اتعلمت إن صلة الډم مش دليل كافي على الأمان، وإن المحبة ما تعنيش إننا نغمض عينينا عن الحقيقة.
أما أنا، فخرجت من الحكاية دي مش منتصرة على حد، لكن مستردة نفسي.
لأنني فهمت أخيرًا إن بعض النهايات مش بتديك الشخص اللي كنت مستنياه، ولا الاعتذار اللي كنت بتحلم بيه، ولا الإجابة الكاملة عن كل سؤال.
أحيانًا النهاية بتكون إنك تعرف الحقيقة اللي تقدر تثبتها، وتسيب اللي ما عندكش عليه دليل للوقت والقانون، وتختار إنك ما تضيعش بقية عمرك في مطاردة أشباح الماضي.
وفي آخر ليلة قبل ما أرجع دبي بعد زيارة مصر، فتحت شباك أوضتي، وبصيت للقمر.
افتكرت ندى وهي بتسألني كل ليلة
يا ماما، هو القمر بيمشي ورانا لما نركب العربية؟
كنت بضحك وأقول لها أيوه يا حبيبتي، عشان بيحبك.
ابتسمت وسط دموعي، وقلت بصوت ما سمعوش غيري
وأنا كمان يا ندى… لسه بحبك.
وبعدين قفلت الشباك، وطفيت النور، ونمت.
ولأول مرة من يوم الحاډث، ما قضيتش الليل كله مستنية الصبح ييجي عشان أهرب من أفكاري.
الصبح جه، وأنا كنت لسه هنا.
عايشة.
مش ناسية.
لكن أخيرًا، مش واقفة عند آخر يوم شفت فيه بنتي.
تمت

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *