عزة نفس في بلاد الغربه
مع وائل في المكتب، وكان وائل وشه أصفر وبيرتعش، بيحاول يرمي اللوم على العمال وعلى أسعار السوق، بس الحاج عبد الرحيم كان فصيح وفاهم، وسمع من العمال الصغيرين ومن أم رحاب الحقيقة كاملة.. عرف إن وائل بيستغل منصبه، وإنه طرد شغالة مظلومة كانت بتعمل أكل أحسن من مطعمه، وإنه بوظ سمعة المكان بتكبره وسرقته للمواد الخام.
الحاج عبد الرحيم وبخ وائل توبيخ قاسې وهدده بالحبس لو الحسابات مراجعتش، وطرده من المطعم بشرشحة قدام كل العمال، نفس الطردة اللي طردها لأميمة، بس المرة دي طردة ڤضيحة وخزي!
وائل خرج من المطعم مكسور ومطاطي راسه، ومش لاقي شغل في أي مكان، لأن سمعته في وسط المطاعم والمهندسين بقت في الحضيض، ومفيش مطعم محترم رضي يشغله بعد اللي عمله في مطعم الحاج عبد الرحيم.
مرت شهرين..
وفي يوم سبت مشمس، كان مطعم أميمة في فيصل مليان زباين على آخره، ريحة صواني الرقاق باللحمة المفرومة وطواجن البامية باللحمة الضاني كانت قالية الشارع كله. أميمة كانت واقفة ورا الكاونتر، لابسة يونيفورم أبيض وطرحة بيضا نظيفة زي الملايكة، بتشرف على العمال الجداد اللي شغلتهم معاها من أهل فيصل الغلابة عشان تفتح بيوتهم، وسامح كان واقف بيراجع فواتير الطلبيات الكبيرة للشركات.
وفجأة.. دخل المحل راجل لابس بدلة قديمة مبهدلة، كتافها مطربة وجزمته ممسوحة، وشه شاحب ودقنه نابتة، باصص في الأرض ومكسوف.
الراجل ده وقف في آخر الطابور، وكان بيعد الفكة اللي في جيبه عشان يشوف هيكفي وجبة ولا لأ.
أميمة رفعت عينها من ورا الكاونتر عشان تاخد الطلب.. وبصت في وش الراجل.
في ثانية واحدة، الزمن وقف، وعيون أميمة وسعت من المفاجأة!
الراجل اللي واقف في آخر الطابور، مكسور ومذلول وبيعد القروش عشان ياكل لقمة تسند طوله.. كان هو نفسه أستاذ وائل! مديرها القديم اللي دلق لقمة عيشها في الأرض وكسر خاطرها وقفل الباب في وشها!
وائل رفع عينه بالصدفة، ولقى أميمة بتبصله.. وشه اتحول للون الجير، ورجليه رجفت لدرجة إنه رجع خطوتين لورا وكان هيلف ويهرب من المحل من كتر الخزي والكسوف..
بس أميمة بصتله بنظرة طويلة، وسابت الكاونتر وخرجت من وراه ورايحة ناحيته بخطوات واثقة وسريعة، والكل في المحل سكتوا وبيبصوا يشوفوا هي هتعمل إيه مع الراجل ده..
يتبع
الجزء الثالث والأخير
السكوت خيّم فجأة على المحل الصغير في فيصل؛ حتى صوت ملاعق الأكل ورنين الحلل الاستانلس في المطبخ الداخلي حس الناس كأنه هدي. وائل كان متصلب مكانه، رجليه متسمرة في الأرض زي جذع شجرة ناشفة، وشه بهت لدرجة إنه بقى بلون الحيطة الجير، وحبات عرق بارد بدأت تلمع على جبينه رغم الجو المعتدل. كان حاطط إيده في جيبه، صوابعه المرتعشة بتلمس تلاتين جنيه ورق مفرتكة، بيبص لأميمة وهي بتقرب عليه، والذكريات بتلف في دماغه زي شريط سينما سريع ومفزع صورة البنت اللي كانت ماسكة الشرشوبة وبتمسح البلاط ورا الطباخين، صورة المنديل الأبيض القديم اللي شافها بتطلعه من شنطتها، وصوت كسر خاطرها لما دلق علبة أكلها في الأرض ورماها برة برمي البلا في نص الليل.
كان مستنيها تصرخ فيه.. مستنيها تشاور عليه قدام الزباين وتقول امسكوا ده! هو ده الراجل