اتجوزت متسولة منقبه
تاني يلمّني.
وقتها أمي اڼهارت على الكنبة، وفضلت ټضرب على صدرها وتقول
يا نهار أسود… يا نهار أسود! يا رب استرها، يا رب استرها!
أما أبويا فصړخ فيها لأول مرة في حياتي أسمعه پيصرخ بالشكل ده
اسكتي يا نادية! إنتِ اللي وصلتنا لكده! إنتِ اللي أصريتي إن الموضوع يفضل مدفون!
كلمة واحدة وقعت في ودني زي الړصاصة.
مدفون!
يعني فيه سر فعلًا.
سر أهلي خبوه عني سبعة وعشرين سنة، وأنا دخلت الست دي بيتي بإيدي، من غير ما أعرف إني بفتح باب حكاية ممكن تهد كل حياتي.
قربت من أبويا، ومسكت دراعه وقلت
بابا… إيه الموضوع اللي إنتوا مخبينه عني؟! الست دي تعرفني منين؟! وإيه حكاية ابنها اللي ماټ؟!
أبويا حاول يبعد عني، لكني مسكت دراعه بقوة.
بصلي وأنا بكلمك! أنا عايز إجابة!
رفع عينيه ليا، وكانت أول مرة أشوفه عاجز عن إنه يكدب بثقة.
قال بصوت مبحوح
يا ياسين… اللي حصل زمان كان غلط كبير، بس إحنا عملنا كل ده عشان نحميك.
ضحكت ضحكة قصيرة من كتر الصدمة.
تحموني؟! من مين؟! من أمه؟! إنت بتقول إن الست دي أمي؟!
أمي صړخت
لأ! لأ يا ياسين! متسمعش كلامها! دي واحدة كدابة، وعايزة تدخل بيتنا عشان الفلوس!
الست بصتلها بحزن غريب، وقالت
حتى دلوقتي… بعد كل السنين دي… لسه نفس الكلام. أي حد فقير عندك يبقى طماع، وأي حد يطالب بحقه يبقى كداب.
وبعدين مدت إيدها ناحية شنطتها الصغيرة المتهالكة اللي كانت حطاها جنب الباب، وطلعت منها كيس بلاستيك قديم، مربوط بخيط رفيع.
قالت
أنا معايا حاجة واحدة فضلت محافظة عليها طول السنين. كنت بقول لنفسي إن اليوم اللي هقابل فيه ابني، لازم أكون معايا دليل واحد على الأقل.
فتحت الكيس بإيدين بيرتعشوا، وطلعت منه صورة قديمة، أطرافها متآكلة، ومكتوب على ظهرها تاريخ من سبعة وعشرين سنة.
الصورة كانت لست شابة واقفة على سرير مستشفى، شايلة طفل صغير ملفوف في بطانية بيضا، وجنبها راجل شاب لابس بالطو أبيض.
الست أشارت للطفل وقالت
ده ابني.
وبعدين أشارت للراجل وقالت
وده الدكتور اللي قال لي إن ابني ماټ.
أخدت الصورة منها، وقربتها من عيني.
ما كنتش أعرف الست الشابة اللي في الصورة، لكن الراجل اللي واقف جنبها عرفته.
كان جدي من ناحية أبويا.
الراجل اللي ماټ وأنا عندي عشر سنين، واللي أهلي
طول عمرهم بيقولوا إنه كان أعظم راجل في العيلة، وصاحب المستشفى اللي اتولدت فيها.
إيدي بدأت تترعش.
ده جدي!
الست أغمضت عينيها، ودمعة كبيرة نزلت على خدها.
أيوه يا ياسين. جدك كان شاهد على كل حاجة.
أبويا نزل على الكرسي، وحط وشه بين إيديه، وأمي فضلت تردد
يا رب… يا رب… يا رب…
لكن أنا ما بقيتش قادر أسمع أي صوت غير صوت الست وهي بتكمل
أنا اسمي فاطمة. كنت بنت غلبانة من قرية صغيرة، واتجوزت شاب اسمه محمود. كنا بنحب بعض، لكن محمود ماټ في حاډثة قبل ما ابننا يتولد بشهرين. سابني حامل، وسابني من غير فلوس ولا أهل يقدروا يسندوني. ولما جت ساعة الولادة، واحدة من الجيران خدتني المستشفى اللي كان جدك مسؤول عنها.
سكتت شوية، وبعدين كملت
بعد ما ولدت، شفت ابني بعيني. كان جميل، وكان بيعيط، والدكتورة حطته على صدري لدقايق. كنت تعبانة ومش قادرة أفتح عيني، لكني فاكرة كويس إني سألتهم عن اسمه. قلت لهم إني هسميه ياسين، على اسم أخو جوزي اللي ماټ وهو صغير.
شهقت وأنا ببص لأمي.
هي غطت وشها بإيديها.
فاطمة كملت
بعد ساعات، جدك دخل عليا وقال لي إن الطفل ماټ. قال إن عنده مشكلة في التنفس، وإنهم حاولوا ينقذوه لكن ربنا ما أرادش. صړخت، وطلبت أشوفه، لكنهم قالوا إن حالته ما تسمحش، وإن الإجراءات خلصت. فضلت أصرخ وأقول لهم مستحيل، أنا سمعته بيعيط، أنا شيلته بين إيديا، أنا عايزة أشوف ابني!
صوتها بدأ ينهار.
لكنهم ادوني ورقة ۏفاة، وقالوا لي إن الأفضل ليا أرجع بلدي وأحاول أعيش. ما كانش عندي حد، ولا فلوس، ولا قوة أواجه بيها عيلة كبيرة زي عيلتكم.
قربت منها وأنا حاسس إني مش قادر أتنفس.
طب إنتِ عرفتي إزاي إنه ما ماتش؟
فاطمة بصت لأمي، وبعدين رجعت بصتلي.
عشان بعد شهرين من ولادتي، واحدة من الممرضات اللي كانت شغالة في المستشفى جتلي في البلد. كانت مړعوپة، وفضلت ټعيط وهي بتحكيلي إنها شافت جدك وهو بيسلم طفل رضيع لأبوك وأمك.
وقفت الدنيا في عيني.
أمي رفعت راسها فجأة وصړخت
كدب! كل ده كدب!
فاطمة ما ردتش عليها، وكملت كلامها
الممرضة قالت لي إن جدك كان عايز حفيد ذكر يحمل اسم العيلة، وإن أمك كانت فقدت الأمل إنها تخلف طفل تاني بعد سنين من العلاج. ولما عرفوا إن ابني ولد، قرروا ياخدوه مني.
حسيت إن رجلي
مش شايلاني.
أنا طول عمري فاكر إن أمي حملت بيا بعد سنين من العلاج، وإن أبويا فضل يدفع