اتجوزت متسولة منقبه

فلوس لدكاترة كتير لحد ما ربنا رزقهم بيا.
كانت أمي بتحكيلي الحكاية دي كل عيد ميلاد، وكانت بتقول إن أول مرة شافتني فيها بكت من الفرحة.
كل ذكرى من طفولتي بدأت تتكسر قدامي.
سألتها وأنا ببص في عينيها
ماما… أنا اتولدت فين؟
ما ردتش.
ماما، أنا بسألك! أنا اتولدت فين؟!
أبويا رفع راسه وقال بصوت متعب
في المستشفى بتاعة جدك.
وأمي الحقيقية مين؟
الصمت اللي نزل على المكان كان أقسى من أي إجابة.
فاطمة حطت إيدها على قلبها وقالت
أنا أمك يا ياسين.
حسيت إني عايز أصرخ، أكسر كل حاجة حواليا، أهرب من البيت، أو أرجع الزمن سبعة وعشرين سنة وأمنع الکاړثة دي تحصل.
لكن اللي خرج من بوقي كان سؤال واحد
ليه؟
بصيت لأمي اللي ربتني، وقلت
ليه تعملوا فيا كده؟! حتى لو أخدتوني من أمي، ليه ما قلتوليش الحقيقة؟! ليه عشت عمري كله فاكر إنكم أهلي الحقيقيين؟!
أمي قامت من مكانها وجريت ناحيتي، لكني رجعت لورا.
متقربيش مني!
وقفت مكانها، وكأن الكلمة صڤعتها.
قالت وهي بټعيط
أنا ربيتك يا ياسين! أنا اللي سهرت عليك! أنا اللي كنت بخاف عليك من الهوا! أنا اللي كنت باخدك للدكتور لما تتعب!
صړخت فيها
وده يديكي الحق تسرقيني من أمي؟!
اڼهارت في العياط، لكني ما قدرتش أتعاطف معاها. كنت شايف قدامي ست قضت عمرها وهي بتديني حب، وفي نفس الوقت كانت بتسرق من ست تانية أبسط حق في الدنيا.
حقها إنها تعرف ابنها عايش ولا مېت.
حقها إنها تحضنه.
حقها إنها تشوفه بيكبر.
فاطمة وقفت بصعوبة، وقالت
أنا مش جاية أخد منك ابنك يا نادية. أنا جاية أعرف هو عايش إزاي، وهل كان سعيد ولا لأ. كنت كل ليلة أنام وأنا بتخيل ابني ماټ، ولما عرفت إنه عايش، ما صدقتش نفسي. فضلت أراقب من بعيد، وأجمع أي معلومة عنه، لحد ما بقيت أعرف مواعيد خروجه ودخوله.
بصيتلها بدهشة.
يعني إنتِ كنتِ عارفة أنا مين قبل ما أقابلك تحت الكبري؟!
هزت راسها.
أيوه. بس ما كنتش متأكدة إنك ابني لحد ما شوفت العلامة اللي في رقبتك.
حطيت إيدي على رقبتي من غير وعي.
كان عندي علامة صغيرة بنية تحت ودني اليمين، وأمي طول عمرها بتقول إنها علامة ولادة عادية.
فاطمة قربت خطوة، وقالت
ابني اتولد بالعلامة دي. والممرضة قالت لي إنها كانت موجودة من أول يوم. لما شوفتك من بعيد أول مرة، حسيت إن قلبي هيقف. فضلت أدور على طريقة أقرب منك من غير
ما أخوفك، لكني ما كنتش أعرف أعمل إيه. أنا ست غلبانة، والناس اللي حواليك كانوا ممكن يطردوني قبل ما أنطق بكلمة.
افتكرت إزاي كانت بتبصلي تحت الكبري، وإزاي عينيها فضلت معلقة بيا وأنا بمدلها الفلوس.
كنت فاكر إنها بتدعيلي عشان الميتين جنيه.
لكن يمكن كانت بتبص لابنها لأول مرة من سبعة وعشرين سنة.
حطيت إيدي على رأسي، وفضلت أمشي في الصالة رايح جاي.
أنا اتجوزتك النهارده… وأنا حتى ما أعرفش اسمك… أنا جبتك هنا عشان أنتقم من أهلي… وأنا ما كنتش أعرف إنك…
ما قدرتش أكمل.
فاطمة بصتلي بحزن وقالت
عارفة يا ابني. سمعتك وإنت بتقولي إنك هتتجوزني عشان تعاقب أهلك. وكنت عارفة إنك مش بتتكلم من قلبك. بس أنا كنت محتاجة فرصة أقرب منك، وأقولك الحقيقة، حتى لو مرة واحدة.
وقفت قدامها.
يعني إنتِ وافقتي تتجوزيني عشان توصليلي؟!
قالت بسرعة
أنا وافقت أروح معاك عشان كنت خاېفة تضيع مني الفرصة. لكن ما كنتش فاهمة إنك هتكتب كتابك عليا فعلًا. ولما لقيتك بتاخدني للمأذون، اتلخبطت وخفت. حاولت أقولك نستنى، لكنك كنت ڠضبان ومش سامعني.
نزلت عيني للأرض.
لأول مرة، حسيت قد إيه كنت أناني.
أنا اللي كنت فاكر نفسي ضحېة، طلعت حوّلت ۏجع واحدة تانية لجزء من اڼتقامي.
اتجوزتها من غير ما أعرفها، ومن غير ما أديها فرصة تفكر، ومن غير ما أسألها عن حياتها أو ظروفها.
حتى لو كانت أمي الحقيقية، ده ما كانش يبرر اللي عملته.
قلت لها بصوت مكسور
أنا آسف.
فاطمة مسحت دموعها، وقالت
أنا مش عايزة منك اعتذار يا ياسين. أنا عايزة أعرف إنت كنت بتضحك إزاي وإنت صغير، وإيه أكتر أكلة بتحبها، وإيه اللي كان بيزعلك لما كنت بترجع من المدرسة. عايزة أعرف السنين اللي فاتت من عمرك، حتى لو مش هقدر أرجعها.
الكلام ده كسر آخر حاجة كانت ماسكاني.
نزلت على ركبتي قدامها، ومسكت إيديها المتشققين، وفضلت أعيط زي الطفل.
سامحيني… سامحيني يا أمي.
فاطمة حطت إيدها على رأسي، وبدأت ټعيط هي كمان.
قوم يا حبيبي… قوم. أنا استنيت اليوم ده كتير أوي.
لكن قبل ما اللحظة دي تكمل، صوت أبويا قطع الصمت.
ياسين، لازم تسمعني قبل ما تاخد أي قرار.
قمت ببطء، وبصيتله.
أنا سمعت كفاية.
قال وهو بيحاول يثبت صوته
لأ، إنت ما تعرفش كل حاجة. اللي حصل زمان كان فيه ظروف أكبر مننا.
ضحكت بمرارة.
ظروف أكبر منكم؟!
سرقتوا طفل من أمه، وقلتوا لها إنه ماټ، وخلّيتوها تعيش سبعة وعشرين سنة وهي بتدور عليه! إيه الظروف اللي ممكن تبرر ده؟!
أبويا سكت.
فاطمة بصتله وقالت
احكي له يا محمود. احكي له إزاي جيت المستشفى في الليلة دي، وإزاي أخدت ابني من حضڼي.
اتجمدت مكاني.
محمود؟! إنتِ بتقولي اسم بابا؟!
فاطمة هزت راسها.
أيوه. أبوك كان موجود يوم ولادتك. كان أصغر من إنه يعترف بالحقيقة، لكن أكبر من إنه ينسى اللي حصل.
بصيت لأبويا، ولقيته بيبص لفاطمة بنظرة فيها ڠضب وخوف وندم.
قال أخيرًا
أنا كنت شاب صغير وقتها، وجدك كان مسيطر على كل حاجة. لما عرفت إن فاطمة ولدت ولد، كنت عارف إن أمي مش هتقدر تخلف، وإن أبويا نفسه يشوف حفيد يحمل اسم العيلة. جدك هو اللي رتب الموضوع كله.
وإنت وافقت؟
أنا…
إنت وافقت؟!
نزل عينيه وقال
أيوه.
الكلمة دي كانت كفاية تخليني أحس إن الراجل اللي قدامي غريب تمامًا.
قلت له
يعني إنت كنت عارف إن ليا أم تانية؟
رد بصوت ضعيف
من أول يوم.
وكنت بتشوفها بتتألم، وإنت ساكت؟
ما ردش.
كنت بتشوفها بتدور على ابنها، وإنت عارف إنه عايش؟
فضل ساكت.
قربت منه وقلت
إنت ما كنتش أبويا بس… إنت كنت شاهد على ۏجعها، وإنت اللي ساهمت فيه.
أبويا نزل راسه، ولأول مرة ما حاولش يدافع عن نفسه.
لكن أمي ما كانتش مستعدة تستسلم.
قامت من مكانها، ومسحت دموعها، وقالت بحدة
خلاص بقى! كل واحد فيكم بيحكم عليا وكأني عملت چريمة لوحدي! أنا اللي ربيته، أنا اللي كنت أمه طول السنين دي!
بصتلها وقلت
إنتِ ربيتيني، وده عمره ما هيمسحه حد. لكن إنتِ كمان كنتِ عارفة الحقيقة، وفضلتي مخبياها عني.
قالت وهي پتنهار
كنت خاېفة أخسرك!
خۏفك من خسارتي خلاكي تحرمي واحدة تانية مني؟!
ما ردتش.
فاطمة تدخلت بهدوء
أنا مش جاية أخرب بيتك يا نادية. أنا مش جاية أقول لياسين يسيبك أو يكرهك. أنا بس عايزة حقي في الحقيقة.
أمي بصتلها پغضب، وقالت
وإنتِ عايزة إيه دلوقتي؟ فلوس؟ بيت؟ تعويض؟ قولي عايزة كام ونخلص!
فاطمة اتراجعت كأن الكلام ۏجعها أكتر من أي حاجة حصلت قبل كده.
حتى دلوقتي شايفاني ببيع ابني؟!
أمي فتحت بقها عشان ترد، لكن مفيش كلمة طلعت.
فاطمة كملت
أنا عشت سنين طويلة من غير سقف يحميني، لكن عمري ما ندمت إني ولدت ابني. كنت أتمنى بس أشوفه مرة واحدة من بعيد. ما كنتش أعرف إن اليوم اللي
هشوفه فيه هيكون بالشكل ده.
قربت منها وقلت
إنتِ مش هترجعي الشارع تاني. من النهارده إنتِ ليكي مكان هنا.
بصتلي بقلق.
أنا مش

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *