اتجوزت متسولة منقبه

عايزة أسببلك مشاكل.
قلت
المشاكل دي موجودة من قبل ما أشوفك. أنا بس كنت أعمى عنها.
وبعدين الټفت لأبويا وقلت
أنا عايز كل الورق القديم بتاع المستشفى. شهادة ميلادي الأصلية، وسجل الولادة، وأي حاجة تخص اللي حصل. ولو فيه حد لسه عايش من الناس اللي كانوا موجودين يومها، هنعرف الحقيقة كاملة.
أبويا هز راسه ببطء.
هتلاقي كل حاجة في المكتب القديم بتاع جدك.
أمي صړخت
محمود! إنت مش هتفتح الملفات دي!
أبويا بص لها، وقال لأول مرة بنبرة حاسمة
كفاية يا نادية. كفاية سبعة وعشرين سنة كدب.
في اللحظة دي، فهمت إن الموضوع أكبر من اعتراف في صالة البيت.
فيه أوراق.
وفيه ناس شاركت.
وفيه سر اتدفن سنين طويلة، ويمكن لسه فيه حاجات ما اتقالتش.
خدت فاطمة لأوضة الضيوف، وطلبت من مدبرة البيت تجيبلها أكل نظيف وهدوم مريحة. ولما دخلت الأوضة، وقفت عند الباب وبصت حواليها باستغراب.
كل ده ليا؟
ابتسمت بحزن.
أيوه يا أمي. كل ده ليكي.
قعدت على طرف السرير، وفضلت تلمس الملاية بإيديها، كأنها خاېفة تكون بتحلم.
قالت
أنا كنت بنام على كرتونة تحت الكبري. ساعات كنت أصحى ألاقي المطر داخل عليا، وساعات أصحى ألاقي حد سرق حتى الكيس اللي بحط فيه هدومي. كنت كل يوم أقول يمكن بكرة يكون أحسن. ما كنتش أعرف إن بكرة هيكون في بيت ابني.
قعدت جنبها.
احكيلي عنك.
ابتسمت لأول مرة ابتسامة حقيقية، وبدأت تحكيلي عن طفولتها، وعن جوزها محمود اللي ماټ قبل ما تشوف ابنها، وعن البيت الصغير اللي كانت بتحلم تربي فيه طفلها، وعن الأيام اللي كانت بتشتغل فيها في البيوت عشان توفر أكلها.
كنت بسمع كل كلمة وأنا حاسس إن في حتة من حياتي بتتفتح قدامي.
وبعدين سألتها
إنتِ كنتِ بتعرفي عني أخبار إزاي؟
قالت
من بعيد. لما عرفت اسمك، فضلت أدور عليك. شفت صورتك في جريدة اقتصادية مرة، وعرفت إنك ابن رجل أعمال معروف. وبعدها بقيت أتابع أخبارك على قد ما أقدر. كنت كل ما أشوف صورتك أقول لنفسي يا ترى بيحب اللبن زي ما كنت بحبه وأنا حامل فيه؟ يا ترى بيضحك بصوت عالي؟ يا ترى بېخاف من الضلمة؟ حاجات صغيرة، بس كانت بتخليني أحس إنك لسه قريب مني.
سكتت شوية، وبعدين قالت
بس كنت خاېفة أقرب. كنت خاېفة تطردني، أو تكذبني، أو تكون عايش في عالم مفيهوش مكان لست زيي.
نزلت راسي.
أنا النهارده عملت أسوأ حاجة ممكن تتعمل في حقك. خلتك تدخلي حياتي بالطريقة دي.
مسكت إيدي وقالت
اللي حصل حصل يا ابني. المهم إنك ما تكررهوش. ما تستخدمش حد عشان تعاقب حد تاني. الناس مش أدوات في إيدينا.
الجملة فضلت ترن في ودني.
كنت داخل البيت وأنا فاكر إني هوجع أهلي، لكني اكتشفت إن الڠضب كان ممكن يخليني أظلم أكتر إنسانة اتظلمت في الحكاية كلها.
وقبل ما أخرج من الأوضة، فاطمة نادتني.
ياسين.
الټفت ليها.
قالت بتردد
في حاجة تانية لازم تعرفها.
رجعت قعدت جنبها.
إيه هي؟
مدت إيدها للكيس القديم، وطلعت منه ورقة صغيرة مطوية أربع مرات.
دي الممرضة ادتهالي قبل ما تختفي من حياتي. قالت لي احتفظي بيها، ولو في يوم وصلتي لابنك، وريهاله.
فتحت الورقة.
كانت مكتوبة بخط قديم، وفي آخرها توقيع واضح باسم ممرضة اسمها سلوى عبد الحميد.
لكن اللي خلاني أحس ببرودة في جسمي مش التوقيع.
كان فيه سطر في نص الورقة بيقول
الطفل اللي اتسلم لعائلة محمود ما كانش الطفل الوحيد اللي اتولد في الليلة دي.
رفعت عيني لفاطمة.
يعني إيه؟!
قالت وهي بتشد الغطا على إيديها
ما عرفتش. الممرضة ماټت قبل ما أقدر أسألها. فضلت سنين أحاول أفهم قصدها، لكن كل اللي قدرت أوصله إن في طفل تاني اتولد في نفس الليلة، وإن جدك كان خاېف من إن الحقيقة تظهر.
حسيت إن السر لسه ما خلصش.
خرجت من الأوضة، ولقيت أبويا واقف في آخر الطرقة، ماسك مفتاح نحاسي قديم.
قال
كنت مستنيك.
إيه المفتاح ده؟
مكتب جدك القديم. المكتب اللي ما حدش ډخله من يوم ۏفاته.
أخدت المفتاح منه.
ليه ما قلتليش عليه قبل كده؟
بصلي بۏجع.
لأن في المكتب ده حاجات لو ظهرت، هتغير كل اللي إنت فاكره عن عيلتنا.
نزلت عيني للمفتاح، وبعدين رفعتها ليه.
أنا خلاص ما بقيتش أعرف إيه اللي أصدقه وإيه اللي أكذبه. كل اللي أعرفه إني مش هسيب الحقيقة مستخبية تاني.
دخلت المكتب القديم.
كان مليان رفوف خشب، وملفات متراكمة، ومكتب كبير فوقه طبقة تراب. فتحت الأدراج واحد ورا التاني، لحد ما وصلت لدرج مقفول بقفل صغير.
جربت المفتاح النحاسي، وفتح من أول مرة.
جواه كان فيه ظرف بني، وشريط تسجيل قديم، ودفتر مستشفى مكتوب على غلافه تاريخ ليلة ولادتي.
فتحت الدفتر، وبدأت أقلب صفحاته.
لحد ما عيني وقعت على اسمي.
لكن الاسم اللي كان مكتوب جنبه ما كانش اسم أمي اللي ربتني.
كان مكتوب
الأم فاطمة محمود عبد الرحيم.
حالة الطفل سليم.
وقفت عند الكلمة الأخيرة.
سليم؟!
أنا اسمي ياسين، مش سليم.
قلبت الصفحة بسرعة، لقيت ملاحظة مكتوبة بالقلم الأحمر
تم تسليم الطفل إلى السيد محمود بعد توقيع استلام غير مكتمل.
وتحت الملاحظة كان فيه اسم تاني.
الطفل الثاني ياسين محمود.
وقتها إيدي بدأت تترعش.
كان فيه طفلين في نفس الليلة.
طفل اسمه سليم، وطفل اسمه ياسين.
والدفتر بيقول إن فاطمة ولدت سليم، مش ياسين.
سمعت صوت خطوات ورايا، فالټفت.
أبويا كان واقف عند الباب، وشه شاحب، وعينيه متعلقتين بالدفتر.
رفعت الورقة قدامه وقلت
مين سليم يا بابا؟!
ما ردش.
صړخت
مين سليم؟! وإيه علاقة اسمه باسمي؟!
أبويا دخل المكتب ببطء، وقعد على الكرسي المقابل ليا.
قال بعد صمت طويل
اللي حصل في الليلة دي ما كانش مجرد إننا أخدناك من أمك.
حسيت إن قلبي وقع في رجلي.
أمال إيه؟
بصلي وقال
كان فيه طفلين اتولدوا في نفس المستشفى، في نفس الليلة، وبين ولادتهم أقل من ساعة.
وبعدين؟
واحد فيهم كان ابن فاطمة، والتاني كان ابن عيلة تانية.
إيه اللي حصل لهم؟!
أبويا غمض عينيه، وكأنه بيحاول يهرب من ذكرى قديمة.
جدك كان عنده اتفاق مع عيلة الطفل التاني. اتفاق ما عرفتش تفاصيله كلها غير بعد سنين. لكن اللي أعرفه إن في الليلة دي، حصل تبديل في الأوراق، وطفل اتسلم لعيلة غير عيلته.
وقفت مكاني.
إنت بتقول إن ممكن أكون مش ابن فاطمة كمان؟!
أبويا فتح عينيه بسرعة.
لأ، أنا ما قلتش كده.
أمال بتقول إيه؟!
بقول إن الدفتر ده ناقص، وإننا لازم نعرف الحقيقة من مصدر موثوق.
رجعت أبص للصفحات، وقلبي بيخبط پعنف.
كل حاجة بقت مشوشة.
هل فاطمة أمي فعلًا؟ هل كان فيه طفل تاني؟ هل اتبدلت الأسماء؟ وليه جدّي احتفظ بالدفتر ده بدل ما يتخلص منه؟
فتحت الظرف البني.
لقيت جواه صورة لطفلين رضيعين، كل واحد في سرير صغير، وعلى البطانية بتاعة كل واحد بطاقة مكتوب عليها اسمه.
الأول سليم.
والتاني ياسين.
وعلى ظهر الصورة، كانت فيه جملة بخط جدي
لو اتكشفت الحقيقة، العيلة كلها هتدفع الثمن.
في اللحظة دي، سمعت صوت أمي من بره المكتب وهي بتصرخ
محمود! اقفل الباب! ما تخليهوش يشوف باقي الورق!
لكنها كانت متأخرة.
لأني كنت لسه ماسك ورقة تانية، مكتوب فيها عنوان قديم، واسم مستشفى اتقفلت من سنين، وتحت الاسم رقم ملف طبي.
وفي آخر الورقة، كان فيه توقيع شخص أنا أعرفه كويس جدًا.
شخص كنت بشوفه كل يوم تقريبًا.
شخص عمره ما كان غريب عن بيتنا.
كان توقيع عمي فؤاد، أخو أبويا.
بصيت لأبويا وقلت
عمي فؤاد كان يعرف؟!
أبويا قام من مكانه بسرعة، ومد إيده عشان ياخد الورقة مني.
لكن في اللحظة

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *