تزوجت متسولة
سامح رفع عينيه ناحية عمي فؤاد.
وفي اللحظة دي، عمي فؤاد وقع منه الملف على الأرض.
لأن الاسم اللي كان مكتوب في آخر الورقة ما كانش اسم غريب.
كان اسمه هو.
عمي فؤاد هو أبو كريم الحقيقي.
وأمي كانت عارفة.
وأبويا كان عارف.
وجدّي كان عارف.
كلهم كانوا عارفين، إلا إحنا.
كريم بص لعمي، وعينيه مليانة دموع.
إنت أبويا؟!
عمي فؤاد ما قدرش يرد.
كريم صړخ فيه
إنت أبويا؟! وإنت سايبني طول عمري فاكر إنك عمي؟!
فؤاد نزل على ركبتيه، وقال
أنا آسف يا ابني.
كريم رجع لورا، وبص لنا كلنا، وبعدين جري ناحية الباب.
جريت وراه، ولحقت به عند مدخل الفيلا.
مسكت كتفه وقلت
كريم، استنى!
بصلي بعينين مليانين ۏجع.
إنت كمان كنت عارف؟!
هزيت راسي بسرعة.
والله ما كنت أعرف حاجة.
فضل باصصلي ثواني، وبعدها قال
إحنا الاتنين طلعنا ضحاېا أسرارهم يا ياسين. بس أنا مش قادر أعيش في البيت ده دقيقة واحدة.
قلت له
مش هسيبك تمشي لوحدك.
رد وهو بيمسح دموعه
أنا محتاج أفهم أنا مين الأول.
وسابني وخرج.
رجعت للصالة، ولقيت فاطمة قاعدة على الكنبة، وأمي واقفة بعيد عنها، وأبويا مش قادر يرفع عينه من الأرض.
الدكتور سامح جمع الأوراق وقال
فيه تفاصيل تانية لازم تعرفوها، لكن مش هنا. لازم نروح الأرشيف القديم للمستشفى، لأن فيه سجل أصلي ما اتحرقش.
بصيتله وقلت
هنروح بكرة.
هز راسه.
لأ يا ياسين. لو عايز الحقيقة كاملة، لازم نروح الليلة.
سألته
ليه الليلة؟!
رد وهو بيبص ناحية النافذة
لأن بكرة الصبح، المكان ده هيتقفل نهائيًا، والملفات اللي فيه هتتنقل لمكان محدش هيقدر يوصل له.
أخدت نفس طويل، وبصيت لفاطمة.
هتيجي معايا؟
مسكت إيدي وقالت
هفضل جنبك لحد ما نعرف كل حاجة.
خرجنا من الفيلا، وركبنا العربية، والدكتور سامح قعد قدام، وفاطمة جنبي.
طول الطريق، ما حدش اتكلم.
كنت ببص من الشباك، وبفكر في سعاد، خطيبتي اللي ضاعت مني بسبب غرور أهلي، وفي فاطمة اللي ضاع منها عمر كامل بسبب نفس الغرور، وفي كريم اللي اكتشف في دقائق إن حياته كلها مبنية على كڈبة.
كنت فاكر إن الجواز من متسولة هيكون عقاپي لأهلي.
لكن الحقيقة إن ربنا ساقني للست دي عشان أعرف إن الاڼتقام ما بيصلحش اللي اتكسر، وإن الإنسان ممكن يقضي عمره كله عايش في بيت كبير، وسط فلوس كتير، وهو مش عارف حتى اسمه الحقيقي.
وصلنا للمستشفى القديم قبل منتصف الليل.
المبنى كان مهجور، والبوابة الحديدية عليها صدأ، والشبابيك مکسورة، واللافتة القديمة لسه معلقة فوق المدخل.
الدكتور سامح طلع مفتاح من جيبه وفتح الباب الجانبي.
دخلنا ممر طويل، ريحته تراب ورطوبة، وكل خطوة كانت بتطلع صدى في المكان الفاضي.
وقف قدام باب غرفة صغيرة، وقال
الأرشيف هنا.
فتح الباب، وشغل كشاف صغير.
الرفوف كانت مليانة ملفات قديمة، بعضها واقع على الأرض، وبعضها متآكل من الرطوبة.
بدأنا ندور على التاريخ المكتوب في الورقة، لحد ما فاطمة لقت صندوق معدني صغير تحت مكتب قديم.
كان عليه اسم جدي.
فتحته بمفتاح صغير كان مربوط في طرفه.
جواه كانت فيه مجموعة صور، ونسخة من سجل الولادة، ورسالة مختومة.
أخدت الرسالة وفتحتها.
كانت بخط جدي.
إلى محمود، لو وصلت الرسالة دي ليدك، يبقى أنا مت قبل ما أقدر أصلح اللي عملته. أنا كنت فاكر إن المال والاسم يقدروا يحموا العيلة من العاړ، لكني اكتشفت متأخر إن الكذب بيكبر لحد ما يبتلع كل اللي حواليه.
قلبي اتقبض.
كملت القراءة.
الطفل اللي اتسلم لفاطمة لم يكن الطفل اللي ولدته نادية. الطفلان اتبدلت بطاقاتهما بسبب خطأ في غرفة الحضانة، وأنا استغليت الخطأ بدل ما أصلحه. فعلت ذلك لأني كنت أريد أن أحمي اسم العائلة، ولأني كنت أخشى أن تظهر حقيقة علاقة فؤاد بالطفل الآخر.
رفعت عيني للدكتور سامح.
يعني إيه؟!
الدكتور سامح بص للأرض.
فاطمة كانت بټعيط بصمت.
كملت قراءة الرسالة، وإيدي بتترعش.
أما الحقيقة الأخيرة، فهي أن الطفل الذي أخذته نادية وربته على أنه ابنها، هو بالفعل ابن فاطمة. أما الطفل الآخر، فقد خرج من المستشفى مع عائلة مختلفة، ولم نعرف مكانه بعد ذلك. لقد حاولت الوصول إليه، لكني فشلت.
وقفت مكاني.
يعني أنا ابن فاطمة فعلًا.
لكن الطفل التاني اللي اتبدلت بطاقاته، مين هو؟ وهل عاش عمره كله بعيد عن أمه الحقيقية؟
قلبت باقي الأوراق، ولقيت صورة لست شابة شايلة طفل، وخلفها اسم قرية في الدلتا.
وعلى ظهر الصورة، مكتوب
أم الطفل الثاني سلوى عبد الحميد.
بصيت للدكتور سامح.
سلوى؟ الممرضة اللي ساعدت فاطمة؟!
هز راسه.
أيوه. سلوى كانت أم الطفل التاني، لكنها كانت بتشتغل في المستشفى يوم ولادتكم. ولما اكتشفت إن فيه خطأ في البطاقات، حاولت تصلحه. جدك منعها، وخۏفها على ابنها خلاها تسكت.
فاطمة مسحت دموعها وقالت
يعني كان فيه أم تانية بتدور على ابنها زيي؟!
الدكتور سامح أومأ.
أيوه. لكنها ماټت من عشر سنين، بعد ما فضلت طول عمرها بتدور عليه.
حسيت بۏجع شديد.
ست تانية عاشت نفس العڈاب، لكن من غير ما تعرف إن ابنها كان ممكن يكون قريب منها.
سألت الدكتور
والطفل ده فين دلوقتي؟
طلع من الصندوق ورقة أخيرة، وقال
دي آخر معلومة وصلت لها سلوى قبل ما ټموت. الطفل اتربى في بيت عيلة كبيرة في القاهرة، وكان اسمه عندهم مختلف.
بصيت للورقة.
كان مكتوب اسم عيلة أعرفها كويس.
عيلة منصور.
العيلة اللي كان ابنهم الوحيد، شريف منصور، صديقي المقرب من أيام الجامعة.
وقفت مكاني وأنا مش قادر أصدق.
شريف!
صاحبي اللي كان بيزورني كل أسبوع، واللي كان يعرف كل تفاصيل حياتي، واللي كان دايمًا بيحكيلي إنه اتربى وحيد من غير إخوات.
هل ممكن يكون هو الطفل التاني؟
هل ممكن يكون شريف هو ابن سلوى الحقيقي؟
طلعت تليفوني واتصلت بيه، لكن الخط كان مقفول.
بصيت للدكتور سامح وقلت
أنا لازم أقابله.
الدكتور هز راسه.
لو شريف هو الطفل التاني، يبقى لازم نعمل تحليل نسب رسمي، وما نعتمدش على الأوراق بس.
فاطمة مسكت إيدي وقالت
روح له يا ابني. لو طلع هو ابن الست دي، يبقى لازم يعرف الحقيقة هو كمان.
خرجنا من المستشفى، ورجعنا الفيلا مع أول خيوط الفجر.
ما نمتش لحظة واحدة.
قعدت في الصالة، قدامي الأوراق والصور، وفاطمة قاعدة جنبي، وأمي في آخر الغرفة بټعيط من غير صوت.
لما الشمس طلعت، تليفوني رن.
كان شريف.
رديت بسرعة.
شريف! إنت فين؟!
صوته كان متوتر.
أنا تحت بيتك. لازم أتكلم معاك.
نزلتله، ولقيته واقف قدام العربية، وشه شاحب، وفي إيده ظرف أبيض.
بصلي وقال
أنا لقيت الظرف ده في مكتب أبويا بعد ما ماټ. مكتوب عليه اسمي، ومكتوب كمان إنه ما يتفتحش غير لما أتم سبعة وعشرين سنة.
قلبي بدأ يخبط بسرعة.
سألته
فتحت الظرف؟
هز راسه.
أيوه.
طلع منه صورة قديمة لطفل رضيع، وعلى ظهرها اسم المستشفى القديم.
وبعدين بصلي وقال
ياسين، أنا مش عارف أقولك إيه… بس الورقة دي بتقول إن أبويا وأمي اللي ربوني ما كانوش أهلي الحقيقيين.
حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
شريف كمل
وفيه اسم واحد مكتوب في آخر الورقة، اسم الست اللي ولدتني.
رفع عينيه ليا.
وقال بصوت مرتعش
اسمها سلوى عبد الحميد.
وقفت قدامه وأنا مش قادر أتكلم.
بعد سبعة وعشرين سنة، الحقيقة كانت أخيرًا بتوصل لكل واحد فينا.
لكن شريف ما كانش يعرف إن أصعب جزء لسه ما جاش.
لأن أول ما دخل الفيلا وشاف فاطمة قاعدة في الصالة، وقف مكانه.
بص لها طويلًا، وبعدين قال
هي مين؟
رديت
دي أمي الحقيقية.
شريف قرب منها، وعينيه مليانة أسئلة.
يعني إنت ابنها؟
هزيت راسي.
أيوه.
فضل ساكت شوية، وبعدين قعد قدامها وقال
أنا طول عمري كنت فاكر إن مفيش حد بيدور عليا. كنت فاكر إن أمي ماټت من غير ما