تزوجت متسولة

تسيبلي حاجة غير صورة قديمة. لكن دلوقتي عرفت إن فيه ست تانية عاشت عمري كله وهي بتدور على ابنها.
فاطمة مسكت إيده وقالت
ربنا يرحم أمك يا ابني. يمكن ما لحقتش تشوفك، لكن أكيد كانت بتحبك.
شريف نزل راسه وعيط.
وفي اللحظة دي، فهمت إن اللي حصل ما كانش مجرد سر عائلي.
كان عمر ناس كاملة اتسرق، وأمهات اتحرمت من أولادها، وأطفال اتربوا وسط حب حقيقي لكنه مبني على كڈبة.
بعد أيام، عملنا تحاليل النسب في معمل معتمد، وسافرنا مع الدكتور سامح لمكتب محامٍ عشان نثبت كل الأوراق ونبدأ الإجراءات القانونية.
النتيجة أكدت إن فاطمة أمي البيولوجية، وإن شريف ابن سلوى عبد الحميد.
أما كريم، فثبتت التحاليل إنه ابن عمي فؤاد فعلًا، وإن أمي وأبويا أخفوا الحقيقة عنه لحمايته من ڤضيحة قديمة تخص العيلة.
البيت اتقلب رأسًا على عقب.
أمي اعتذرت لفاطمة، لكن فاطمة ما طلبتش منها تبريرات ولا فلوس. كل اللي طلبته إنها تبطل تكذب، وإنها تعترف إن اللي حصل كان ظلم.
وأبويا بدأ يواجه عواقب اللي عمله، وقرر يتعاون مع المحامي عشان كل واحد فينا يعرف حقوقه، حتى لو ده معناه إن جزءًا كبيرًا من ثروة العيلة هيتأثر.
أما أنا، فكنت كل يوم بتعلم من فاطمة حاجة جديدة.
كنت أسمع حكاياتها عن جوزها الراحل، وعن البيت اللي كانت بتحلم تعيش فيه، وعن الأيام اللي كانت بتنام فيها جعانة لكنها ترفض تمد إيدها لحد.
وفي يوم، أخدتها للقرية اللي اتولدت فيها، وهناك وقفنا قدام بيت قديم كان لسه موجود، رغم إن سقفه وقع وجدرانه اتشققت.
فاطمة لمست الحيطة بإيديها، ودموعها نزلت.
قالت
هنا كنت بحلم أربيك يا ياسين. كنت فاكرة إنك هتجري في الحوش، وهتتعلم تمشي هنا، وهتدخل المدرسة من الشارع ده.
وقفت جنبها وقلت
أنا ما عشتش هنا، يا أمي، لكن لو تحبي، نقدر نرجع البيت ده ونصلحه.
بصتلي باستغراب.
ليه؟
ابتسمت.
عشان يبقى عندك مكان تحسي فيه إنك رجعتي لحياتك، مش بس ډخلتي حياتي.
حضنتني وهي بټعيط.
ولأول مرة من يوم ما عرفتها، حسيت إنها مش بس أم ضايعة لقت ابنها، لكنها كمان ست بدأت تستعيد نفسها.
أما سعاد، ففضلت فترة طويلة بعيدة عن حياتي.
كنت عارف إني ظلمتها لما سبت الڠضب يتحكم في قراراتي، وكنت عارف إن الاعتذار مش هيرجع كل حاجة زي الأول.
لكن بعد ما عرفت الحقيقة، قررت أروح لأبوها وأعتذر له عن اللي حصل يوم الخطوبة، وعن إني ما قدرتش أحمي كرامتهم قدام أهلي.
روحت البيت، واستقبلني والدها بوجه جامد.
قلت له
أنا مش جاي أطلب منك ترجع بنتك ليا. أنا جاي أقولك إنك كنت عندك حق لما رفضت الإهانة، وإن بنتك ما تستاهلش غير الاحترام.
سمعني لحد الآخر، وبعدين قال
يا ياسين، بنتي اتخطبت لراجل تاني، وهي دلوقتي بتحاول تبدأ حياة جديدة. أنا مش همنعك تعتذر، لكن ما تضغطش عليها.
هزيت راسي.
مش هضغط عليها.
خرجت من عنده وأنا موجوع، لكن لأول مرة ما كنتش عايز أنتقم من حد.
كنت عايز أتعلم أتحمل نتيجة اختياراتي.
بعد شهور، اتجوزت فاطمة في نظر القانون بوصفها زوجتي، لكننا ما كملناش الحياة الزوجية بالشكل اللي بدأنا بيه. قعدنا مع المحامي، وشرح لنا إن عقد الجواز اللي عملته وأنا مخبي عنها الحقيقة ومتصرف بدافع الاڼتقام لازم يتراجع قانونيًا، وإن فاطمة من حقها تقرر بحرية كاملة إذا كانت عايزة تكمل العلاقة أو تنهيها.
فاطمة اختارت ننهي عقد الجواز، لأن علاقتنا الحقيقية كانت علاقة أم بابنها، مش علاقة زوجين.
وأنا وافقت من غير تردد.
ساعدتها تستقر في بيت مريح، وسجلت لها حقوقها المالية بشكل قانوني، مش باعتبارها محتاجة صدقة، لكن باعتبارها إنسانة اتظلمت سنين طويلة، ومن حقها تعيش بكرامة.
أما كريم، فاحتاج وقت طويل عشان يقدر يبص في وش عمي فؤاد من غير ما يحس بالڠضب. لكنه في النهاية قرر يسمع منه الحكاية كاملة، وبعد شهور من المواجهات، بدأوا يحاولوا يبنوا علاقة جديدة، من غير ما ينسوا اللي حصل.
وشريف بدأ يدور على أي ذكريات تخص أمه سلوى، وجمع صورها القديمة، وزار قپرها، وحط وردة بيضا عند شاهد القپر، وقال لها إنه عرف أخيرًا إنها ما نسيتوش.
وفي يوم، كنا كلنا قاعدين في بيت فاطمة الجديد، وهي بتحضر لنا الغدا بنفسها رغم إصرارنا إنها ترتاح.
ضحكت وهي بتبصلي وقالت
فاكر أول يوم شوفتني فيه تحت الكبري؟
ابتسمت بحزن.
فاكره كأنه امبارح.
قالت
كنت فاكرة إنك هتمشي وتنساني زي كل الناس.
مسكت إيديها وقلت
وأنا كنت فاكر إني هستخدمك عشان أنتقم من أهلي.
ضحكت بخفة، وبعدين قالت
الحمد لله إن ربنا كان أرحم بينا من نفسنا.
بصيت حواليّ.
كان كريم قاعد جنب شريف، وأبويا جاي يزورنا بعد ما بدأ يعترف بأخطائه، وأمي كانت قاعدة بعيد شوية، بتحاول تتعلم إزاي تعتذر من غير ما تبرر.
ما بقاش كل شيء مثاليًا، وما رجعتش الثقة في يوم وليلة، لكن على الأقل ما بقيناش بنعيش جوه كڈبة.
وفي آخر اليوم، وأنا بوصل فاطمة لأوضتها، وقفت عند الباب وبصتلي.
قالت
يا ياسين، أنا عايزة منك وعد.
قلت
اطلبي يا أمي.
قالت
مهما حصل، ما تخليش الفلوس تخليك تحكم على الناس، وما تخليش وجعك يخليك تظلم حد بريء. أنا اتسرق مني عمري بسبب ناس افتكروا إنهم يقدروا يشتروا كل حاجة، لكن الحقيقة إنهم خسروا نفسهم قبل ما يخسروا أي حاجة تانية.
حضنتها وقلت
أوعدك.
وفي اللحظة دي، افتكرت اليوم اللي شفتها فيه تحت الكبري، وهي قاعدة وسط البرد والتراب، ماسكة لقمة ناشفة، وأنا نازل من عربيتي الفخمة فاكر إن عندي كل حاجة.
ما كنتش أعرف وقتها إن الست اللي افتكرت إني هشتري بيها اڼتقامي، هي نفسها الإنسانة اللي هتعلمني معنى العيلة الحقيقي.
أنا اتولدت وسط الدهب والفلوس، لكني ما عرفتش قيمة النعمة غير لما اكتشفت إن أغلى حاجة في الدنيا ممكن تضيع من غير ما حد يقدر يرجعها.
والنهارده، كل ما أفتكر صړخة أمي وهي بتقول إنت متعرفش المصېبة اللي عملتها في نفسك، بفهم إن المصېبة ما كانتش إني اتجوزت ست غلبانة من تحت الكبري.
المصېبة الحقيقية كانت إني صدقت إن الإنسان ممكن يعاقب غيره من غير ما يجرح بريء، وإن الفلوس والاسم الكبير يقدروا يغطوا على الظلم طول العمر.
لكن الحقيقة، مهما اتأخرت، بتلاقي طريقها.
وأنا، بعد سبعة وعشرين سنة من الكذب، لقيت أمي أخيرًا.
ولما مسكت إيدها في أول يوم عيد قضيناه مع بعض، ما كانش فيه دهب ولا قصور ولا مظاهر.
كان فيه بس حضڼ اتأخر سبعة وعشرين سنة، وأم فضلت مستنية ابنها لحد ما ربنا جمعها بيه من جديد.
وده كان أغلى من كل ثروة ورثتها في حياتي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *