أنا متجوزه

“تعالي يا سمر يا حبيبتي، أقعدي عاوزينك في موضوع مهم يخص مستقبلك ومستقبل أخوكي.”
قعدت وقلبي مقبوض: “خير يا حجة؟”
سامح حمحم وبص في الأرض، وبعدين حماتي هي اللي اتكلمت بصوت كله لؤم:

“بصي يا سمر.. حسين أخو سامح هيتجوز، وشقته صغيرة مش هتكفي العروسة وأهلها. فإحنا اتفقنا.. إن سامح وحسين يتبادلوا، حسين ياخد الشقة دي يتجوز فيها، وأنتم تطلعوا تأجروا أو تشتروا بيت تاني يعيش فيه سامح وأنتِ وأخوكي!”
أنا تنحت، وبصيت لسامح اللي كان ساكت ومبصش في عيني، وقولت:

“نعم؟ نطلع من شقتنا عشان سلفي يتجوز فيها؟ وأنا مالي ومال شقته الصغيره؟ ما يتجوز فيها ولا يتصرف!”
حماتي قامت وقفت وربطت طرحتها بغل، وقالت بصوت عالي:

“لا يا حبيبتي، أنتِ معاكي فلوس ورث أخوكي ومجمدة تحت إيديكي! تتفقي أنتِ وسامح وتلموا الفلوس، وتشتري بيت كبير بره على قدكم كلكم، ما أنتِ معاكي ياما وأخوكي معاكوا! اشتروا بيت بفلوس الورث دي وبلاش بخل!”
دمي غلي في عروقي، وحسيت إن الأرض بتلف بيا. بصيت لسامح وقولت له بصوت حازم:
#الكاتب_رومانى_مكرم_

“أنت ساكت ليه يا سامح؟ أنت موافق على الكلام ده؟ عاوزني أخد فلوس أخويا اليتيم وأشتري بيها بيت عشان حلم أخوك وأمك؟ عاوزني أفرط في حق اليتيم اللي ربنا حذر منه في كتابه عشان أرضيكم؟ عاوز شقة برة؟ اشترِ من فلوسك أنت! تاخد فلوس أخويا اليتيم ليه؟!”
سامح وقف فجأة، ووشه احمر من الغضب، وبدل ما يدافع عن حقي وحق اليتيم، زعق بعلو صوته وقال كلام نزل عليا زي الصاعقة:

“خلاص! طالما كده، الواد ده مش يقعد في بيتي دقيقة واحدة ثاني!”
وقفت في نص الصالة والدموع جمدت في عيني، وبصيت لسامح وأنا مش مصدقة إن الراجل اللي وافقت أعيش معاه على المرة قبل الحلوة يبيع كرامتي وحق أخويا الصغير في لحظة عشان يرضي أمه. الكلمة طلعت منه زي الرصاصة: “الواد ده مش يقعد في بيتي دقيقة واحدة ثاني!”
الحجة سعاد وقفت ورا ابنها وضمت إيديها لبعض وابتسامة النصر على وشها، وقالت بصوت مسموم:
“أيوه كده يا سامح يا بني! حط حد للمهزلة دي، البيت ده بيت راجل، ومش هنصرف على عيال الناس ونحرم أخوك من فرحته عشان واد يتيم لا بيقدم ولا بيأخر!”
أحمد أخويا الصغير كان واقف ورا باب الأوضة، ماسك في كراسة الرسم بتاعته، وسامع الصويت والزعاق. خرج بخطوات ترتعش، وشفت الرعب في عينيه الصغيرين. أمه وأبوه ماتوا وسابوه، ودلوقتي شايف المكان الوحيد اللي تحامى فيه بيهتز تحت رجليه. جرى عليا ومسك في جلابيتي ودفن وشه في حضني، وجسمه كله بيكش من الخوف.
نزلت على ركبي، ضميته بحضني وقوّيت قلبي، وبصيت لسامح بعينين مفيهاش نقطة ضعف ولا انكسار، وقولت له بصوت واطي بس حاسم:
“البيت ده مش بيتك لوحدك يا سامح. القرشين اللي تشطبت بيهم الشقة دي كانوا من عرقي ومن ورثي اللي أخدته يوم وفاة أبويا. أنت نسيت؟ ولا أذكرك بالدفاتر والشيكات؟ الواد ده أمانة ربنا في رقبتي، واللي يمس منه شعرة، أو يفكر يأخذ قرش من حلاله، أنا هقف له بالمرصاد!”
حماتي اتجننت لما لقتني مش بخاف ولا بضعف، صرخت وقالت:
“أنتِ بتهددي ابنك في بيته يا سمر؟ بتفضلِ الواد ده على جوزك وعيلة جوزك؟ خلاص، طالما كبرتي دماغك وحاطة الفلوس في القاصة وقافلة عليها، يبقى تفضي الشقة دي بكرة الصبح، وحسين أخوه يتجوز هنا، وأنتِ تروحي تأجري لك حتة جحر تعيشي فيه أنتِ وأخوكي بعيد عننا!”
سامح كمل على كلام أمه وهو بيحاول يبان قوي قدامها:
“زي ما أمي قالت لك يا سمر! يا نشتري البيت الجديد من الفلوس اللي معاكي ونكتبه باسمنا وباسم حسين عشان الشمل يتلم، يا إما تاخدي أخوكي وتفتشي لك على مكان تاني، أنا مش هقعد أخدم وأشيّل نفسي هموم ناس تانيين!”
في اللحظة دي، حسيت إن الغشاوة اتمسحت من على عيني. اتأكدت إن الجوازة دي مكنتش قائمة على حب ولا سند، دي كانت طمع مقنع في ورث أبويا وفي القرشين اللي شايلهم للزمان ولأحمد عشان لما يكبر يلاقي حتة أرض ينقف فيها رزقه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *