بعد 40سنه جواز
ودلوقتي يا صفية.. ارفعي راسك، وامسحي دموعك.. أنتي صاحبة البيت وصاحبة المال، والدياب اللي خرجوا من المكتب فاكرين نفسهم انتصروا، مش عارفين إنهم خارجين لمصيدتهم باختيارهم! كمال معاه الفيديو اللي سجلته بصوتي وصورتي، وفيه كل الحقيقة.. روحي بيتك، وعلميهم إن لحم الست الأصيلة مبيتاكلش!’
أغلقت الخطاب، وانفجرت في بكاء مرير، بكاء اختلطت فيه دموع الفقد بدموع الامتنان والعزة.
مختار.. رفيق عمري الذي ظننت لثوانٍ أنه باعني في آخر محطة، كان يلفني بحمايته ورعايته حتى وهو في كفنه! كان يحارب لأجلي من وراء حجب الموت، ليقتص لي من قلوب قست وجحدت كل قطرة حنان سقيتها لها على مدار السنين!
مسحت دموعي بطرف طرحتي السوداء، ووقفت على قدمي بصلابة عمري ما شعرت بها من قبل. نظرت للأستاذ كمال وسألته بصوت تحول من الانكسار إلى الثبات:
“الورق كله جاهز يا أستاذ كمال؟”
ابتسم كمال ابتسامة تقدير، وأطفأ سيجارته في المنفضة الرخامية، وحمل حقيبته الجلدية الضخمة وقال:
“جاهز من شهرين يا مدام صفية.. ومختار بيه سابلك فلاشة عليها تسجيل فيديو وصوت لكل كلمة اتقالت في أوضة نومه.. والنيابة والشرطة جاهزين لو أي حد فيهم فكر يتعدى حدوده.”
وفجأة.. رن هاتف كمال المحامي بنغمة سريعة.
فتح الخط ووضعه على مكبر الصوت.. كان صوت “عم إدريس”، بواب الڤيلا العجوز، صوته كان يرتجف بالخوف:
“ألو.. يا أستاذ كمال! الحق يا بيه! الباشا الصغير حسن والست نهى جم الڤيلا ومعاهم عمهم ومراته سناء.. وجايبين معاهم نجارين وعمال وبيكسروا في باب أوضة النوم الكبيرة بتاعة الحاج مختار، والست سناء بتلم هدوم الحاجة صفية في أكياس زبالة سودا وبترميها في الجنينة وبتقول إنها هتطردها أول ما ترجع!”
الدم غلى في عروقي، والبركان اللي كان محبوس جوايا انفجر.
نظرت لكمال وصرخت بنبرة حاسمة هزت جدران المكتب:
“اطلب النجدة يا كمال.. وحصلني على الڤيلا! آن الأوان للحساب يتصفى!”
خرجت من مكتب المحامي بخطوات سريعة كالرعد، وركبت سيارتي التي كان يقودها سائق كمال.
طوال الطريق، كانت مشاهد الأربعين سنة تمر أمام عيني كشريط سينمائي:
حسن.. لما كان يسخن وأنا أسهر جنبه أكمدله راسه بمية متلجة وأبكي.
نهى.. لما دخلت الجامعة وكنت أبيع دهب أمي عشان أجيبلها أحسن لبس ومتحسش إنها أقل من زميلاتها.