بعد 40سنه جواز

​انتهى الفيديو.. وساد الصمت القاتل.

سناء سقطت على ركبتيها على الأرض كالجثة الهامدة، تنظر حولها بهلع وأصابعها ترتجف برعب، بينما محمود أمسك برأسه وهو يصرخ: “خراب ديار! قضايا وحجز وإزالة؟! يارتني ما سمعت كلامك يا سناء يا شؤم!”

​ونهى ابنتي انهارت تماماً، جلست على الأرض عند قدمي، وبدأت تبكي بهستيريا وتلصق جبهتها بحذائي:

“ماما.. سامحيني يا ماما! والله العظيم سناء هي اللي وسوست في دماغي وقالتلي أمك هتكتب الورث لأخوالك! أنا بنتك يا ماما.. قطيعة من لحمك، متحرمنيش من رضاكي وتضيعيني!”

​وحسن.. ابني الوحيد، كان يقف ووجهه يميل إلى السواد، دموعه تسيل على لحيته، ركع أمامي ورفع يديه يترجاني بصوت مكسور ذليل:

“أنا غبي يا أمي.. الشيطان عماني! الفلوس طيرت عقلي وخليتني أشك في أعظم ست في الدنيا! ابوس رجلك يا أمي متسيبينيش للديون والسجن.. أنقذيني عشان خاطر بابا مختار!”

​نظرت إليهما طويلاً..

نظرت إلى حسن، وإلى نهى، وإلى سناء ومحمود.

كان في إمكاني في تلك اللحظة أن أصرخ، أن أشتم، أن أنتقم وأطرد الكل للشارع ولأقسام الشرطة كما فعلوا معي منذ دقائق حين ألقوا ملابسي في أكياس القمامة.

لكنني نظرت إلى صورة مختار المعلقة في صدر الصالة، وتذكرت أربعين سنة من الشرف والأصل الطيب. المرأة الأصيلة لا تتحول إلى وحش حين تنتصر، ولا تتخلى عن إنسانيتها في لحظة القوة.

​أشرت للضابط بهدوء وقلت له:

“سيادة الرائد.. اتفضل حضرتك حرر محضر إثبات حالة بالكسر والسرقة اللي ارتكبوها محمود وسناء في أوضة نومي، والمسروقات الذهبية أهي واقعة على الأرض تحت رجلين سناء.”

​صرخت سناء رعباً وأمسك بها أمين الشرطة، بينما توسل محمود وهو يبكي كالطفل الصغير، فاقتادتهما الشرطة مكلبشين إلى سيارة الترحيلات ليواجها مصيرهما في قضايا التعدي والسرقة، وليتحملا الديون وقرارات الإزالة التي خلفها طمعهما الأعمى.

​أما حسن ونهى..

فقد التفتت إليهما، ونزلت بمستواي ونظرت في عينيهما الدامعتين.

نزعت يدي من بين أيديهما برفق ولكن بحسم لا رجعة فيه، وقلت كلمات وزنت بميزان الذهب والألم:

​”قوموا من على الأرض يا ولاد مختار.. قوموا وقفوا على حيلكم.

أنا مش هسيبك تتسجن يا حسن.. هدفع ديون الشركة من فلوسي اللي سابهالي أبوكم، وهقفل ملفات القضايا.. ومش هسيب ولادك يا نهى يمدوا إيديهم للناس..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *