السجينه الجديدة
أوائل اللي وافقوا يقدموا شهادة مكتوبة.
دخلت غرفة المقابلات، وقعدت قدام المحققة، وإيديها بتترعش.
المحققة قالت لها
خدي وقتك. محدش هيجبرك تتكلمي قبل ما تكوني مستعدة.
صوفيا سكتت شوية، وبعدها بدأت تحكي.
حكت عن أول مرة أجبرتها فيكتوريا على التنازل عن وجبتها، وعن المرات اللي كانت بريندا بتخوفها فيها، وعن الشكوى اللي حاولت تقدمها قبل شهور، لكنها اختفت بعد أيام.
ولما خلصت، كانت بټعيط.
أنا آسفة إني ما اتكلمتش من الأول.
المحققة هزت راسها.
إنتِ مش مسؤولة عن اللي حصل لك. إحنا محتاجين نفهم الوقائع علشان نقدر نتصرف.
لما خرجت صوفيا من الغرفة، لقت إليزابيث واقفة في الممر.
قربت منها وقالت
أنا اتكلمت.
إليزابيث ابتسمت ابتسامة صغيرة.
عارفة.
كنت خاېفة جدًا.
الشجاعة مش إنك ما تخافيش. الشجاعة إنك تقولي الحقيقة رغم إنك خاېفة.
صوفيا نزلت عينيها، وبعدها رفعتها تاني.
إنتِ كنتِ عارفة إن ده هيحصل؟
إليزابيث فكرت للحظة.
ما كنتش عارفة النتيجة. لكن كنت عارفة إن السكوت مش هيخلّي المشكلة تختفي.
وفي الأيام اللي بعدها، ظهرت تفاصيل جديدة عن مخالفات مالية وسوء استخدام للسلطة داخل المؤسسة.
بعض الموظفين اتوقفوا عن العمل لحين انتهاء التحقيقات، وموظفون آخرون تم استدعاؤهم للإدلاء بأقوالهم.
أما مدير السچن، فخضع هو كمان للاستجواب حول طريقة التعامل مع الشكاوى القديمة، وحول التقارير اللي اتقدمت له وما اتخذش بشأنها الإجراءات المطلوبة.
كان فيه فرق واضح بين الاتهام والإدانة، وفريق التحقيق كان حريصًا على جمع الأدلة قبل توجيه أي اټهامات نهائية.
لكن المؤكد إن المؤسسة اللي كانت بتظهر قدام الناس باعتبارها مكانًا منضبطًا، بدأت تواجه أسئلة ماكانش ينفع تتجاهلها تاني.
وبالنسبة لإليزابيث، كانت كل شهادة جديدة بتقربها من الحقيقة اللي حاولوا يدفنوها لما اتلفقت لها القضية.
لكن لسه كان فيه سؤال أخير لازم يتجاوب.
مين اللي دبّر القضية ضدها، وليه كان مصمم إنها تدخل السچن ده بالذات؟
الفصل العاشر الحقيقة اللي كانت مستخبية في الملف
بعد أيام من التحقيقات، طلب الفريق من إليزابيث حضور مقابلة رسمية.
دخلت غرفة صغيرة، ولقت الرجل اللي قابلها في المطبخ قاعد قدام مجموعة من المستندات.
قال لها
إحنا راجعنا المعلومات اللي وصلتنا منك قبل توقيفك، وقارناها بالأدلة اللي جمعناها من هنا.
إليزابيث قعدت.
وصلتوا لإيه؟
الرجل فتح ملفًا، وأخرج ورقة.
فيه تطابق بين بعض التحويلات المالية اللي كنا بنتابعها قبل كده، وتحويلات ظهرت في السجلات اللي لقيناها داخل المؤسسة. ولسه بنراجع مصدر الأموال والعلاقات بين الأشخاص المذكورين.
إليزابيث بصت للورقة.
كانت بعض الأسماء مألوفة.
أسماء ظهرت في التحقيق الأصلي، واختفت من الملف قبل ما القضية تتقدم للمحكمة.
الرجل كمل
وفيه كمان تناقضات في المستندات اللي اتقدمت ضدك وقت المحاكمة. إحنا بنراجعها بالتنسيق مع الجهات المختصة.
إليزابيث فضلت ساكتة.
سنين من الشغل، وشهور من التهديدات، وبعدها اتهام وحكم بالسجن.
كل ده كان ممكن يتلخص في ورقة واحدة لو ثبت إن الأدلة اللي اتقدمت ضدها مزورة.
لكنها ما سمحتش لنفسها إنها تفرح قبل الأوان.
إيه الخطوة الجاية؟
الرجل قال
هنرفع نتائج التحقيق للجهات القضائية المختصة، وهنطلب مراجعة القضية على ضوء الأدلة الجديدة.
إليزابيث هزت راسها.
كويس. بس لازم كمان تتراجع شكاوى السجينات، مش بس القضية بتاعتي.
الرجل بص لها باهتمام.
ده جزء من التحقيق بالفعل.
عايزة أتأكد إن شهاداتهم مش هتختفي تاني.
هنوثق كل شهادة، وهنحافظ على الأدلة وفق الإجراءات القانونية.
لأول مرة من وقت دخولها السچن، إليزابيث حسّت إن فيه فرصة حقيقية إن الحقيقة تظهر.
لكنها كانت عارفة إن المعركة مش انتهت.
لأن الشخص اللي قدر يلفق لها قضية ماكانش بالضرورة هو نفسه اللي كان بيحرك كل حاجة، وإن كشف تجاوزات في مؤسسة واحدة مش معناه إن الشبكة كلها انتهت.
في نفس الأسبوع، بدأت الإجراءات الخاصة بمراجعة حكمها.
المحكمة اطلعت على المعلومات الجديدة،
وظهرت أسئلة خطېرة حول صحة بعض الأدلة اللي بُني عليها الحكم.
وبعد استكمال الإجراءات اللازمة، أُبطل الحكم الصادر ضد إليزابيث، وأُعيد النظر في القضية على أساس الأدلة الجديدة.
كانت لحظة طال انتظارها.
لكن لما وصلها الخبر، ما صرختش من الفرحة، وما حاولتش تستعرض انتصارها قدام السجينات.
قعدت على سريرها، وغمضت عينيها للحظات.
افتكرت زملاءها اللي صدقوا إنها مذنبة، والأشخاص اللي استغلوا سلطتهم علشان يسكتوها، والليالي اللي قضتها وهي بتحاول تفهم إزاي ممكن للحقيقة إنها تتقلب ضد صاحبها.
وبعدها افتكرت صوفيا وإيلين وباقي السجينات اللي بدأوا يتكلموا لما شافوا إن فيه حد مستعد يسمعهم.
وفهمت إن خروجها من السچن مش هيكون أهم نتيجة للقضية دي.
الأهم إن اللي حصل ممكن يمنع تكرار نفس الظلم مع أشخاص تانيين.
الفصل الحادي عشر آخر مواجهة
قبل مغادرتها السچن، طلبت إليزابيث زيارة المطبخ مرة أخيرة.
المسؤول عن إجراءات الخروج استغرب الطلب، لكنه وافق بعد التنسيق مع الإدارة.
دخلت إليزابيث المكان في الصباح، وكان الضوء داخل من النوافذ العالية، منعكسًا على الترابيزات المعدنية والحوض الكبير اللي حصل عنده الاعتداء.
وقفت قدامه.
نفس المكان اللي كانت فيه من أيام، وهي بتحاول تاخد نفسها بعد ما فيكتوريا وبريندا اعتدوا عليها.
لكن المرة دي ماكانش فيه حد بيضحك عليها، ولا حد بيأمرها تنظف أطباقه.
كانت فيه عاملات بيشتغلوا، وحارسة واقفة عند الباب، ومشرفة جديدة بتراجع توزيع المهام.
إليزابيث بصت للحوض، وبعدها التفتت ناحية مجموعة من السجينات اللي كانوا واقفين على مسافة قريبة.
صوفيا كانت من بينهم.
إليزابيث قالت
عايزة أقول لكم حاجة قبل ما أمشي.
الكل سكت.
اللي حصل هنا ماكانش المفروض يحصل لأي واحدة فيكم. مش لأن فيه حد أقوى منكم، ولا لأنكم لازم تكونوا قادرين تدافعوا عن نفسكم طول الوقت، لكن لأن المفروض إن المكان ده تحكمه قواعد تحميكم، مش ناس تستغل خوفكم.
إيلين رفعت عينيها.
إليزابيث كملت
أنا مش هقول لكم إن كل حاجة هتتصلح في يوم واحد. فيه تحقيقات لسه مستمرة، وفيه ناس لازم تتحاسب وفق القانون. لكن عايزاكم تعرفوا إن السكوت مش معناه إنكم موافقين على اللي بيحصل، وإن طلب المساعدة مش ضعف.
صوفيا كانت بتسمعها وعينيها مليانة دموع.
وبعد لحظة، سألت
هو إنتِ هترجعي تاني؟
إليزابيث ابتسمت.
مش بالطريقة دي.
ضحك بعض الموجودين ضحكة صغيرة، وكانت أول مرة يسمعوا فيها ضحكًا من غير خوف في المكان ده من وقت طويل.
لكن قبل ما إليزابيث تخرج، وصلها خبر إن فيكتوريا وبريندا موجودتين في غرفة انتظار قريبة، وإنه من المقرر نقلهما لاستكمال الإجراءات القانونية المتعلقة بالقضايا الجديدة.
إليزابيث ما طلبتش تقابلهما.
لكن لما خرجت من المطبخ، شافتهما بالصدفة وهما بيتحركوا تحت حراسة مشددة.
فيكتوريا كانت أول واحدة تلاحظها.
وقفت، وبصتلها پغضب مكتوم.
إنتِ مبسوطة دلوقتي؟
إليزابيث وقفت على مسافة منها.
مش ده الموضوع.
فيكتوريا ضحكت بسخرية.
إنتِ ضيعتي حياتنا.
إليزابيث ردت بهدوء
أنا ما كتبتش الشكاوى القديمة، وما أخفيتش الأدلة، وما طلبتش منكم تعتدوا عليّا. كل واحدة فيكم مسؤولة عن أفعالها.
بريندا كانت ساكتة، لكن ملامحها كانت متوترة.
فيكتوريا قربت خطوة، والحارس طلب منها ترجع لورا.
إنتِ كنتِ عارفة إننا هنقع.
إليزابيث بصتلها مباشرة.
لأ. أنا ما كنتش عارفة إنكم هتختاروا تعملوا كده. لكن كنت عارفة إن أي شخص يفتكر إنه فوق القانون، هييجي عليه وقت يضطر يواجه فيه أفعاله.
فيكتوريا فتحت بقها علشان ترد، لكنها ما لقتش كلامًا تقوله.
إليزابيث لفت ومشيت.
وهي بتبعد، سمعت بريندا بتنادي عليها
إليزابيث!
وقفت، لكنها ما لفتتش فورًا.
بريندا قالت بصوت أقل حدة من المعتاد
إنتِ فعلًا ما كنتيش خاېفة مننا؟
إليزابيث التفتت ناحيتها.
كنت خاېفة. بس إنتوا خلطتوا بين خۏفي وبين إنكم تقدروا تعملوا أي حاجة من غير حساب.
وبعدها خرجت من الممر، من غير ما تستنى رد.
الفصل