سر ممرضه أخو الشيخ

من الليل.
كان الوقت قرب من نص الليل.
القصر كله كان هادي، والأنوار في معظم الغرف مطفية.
فتح أمير التسجيل، وفضل يتابع الشاشة من غير ما يتوقع إنه هيشوف حاجة مختلفة.
وبعد دقائق، ظهرت ليلى وهي داخلة أوضة سمير.
بصت حواليها، وبعدها قفلت الباب.
ثم راحت ناحية السرير، واتكلمت معاه بصوت واطي.
أمير قرّب من الشاشة.
ليلى مدت إيديها ناحية الغطا، وبعدها سحبته بعيد عن جسم سمير.
أمير حس إن قلبه بدأ يدق بسرعة.
ليه بتعمل كده في الوقت ده؟
وإيه اللي بيحصل بعيد عن عيون باقي العاملين؟
وفجأة، ليلى مسكت إيدي سمير، وبدأت تساعده يتحرك ناحية طرف السرير.
أمير وقف من مكانه.
إنتِ بتعملي إيه؟!
قالها بصوت عالي، رغم إن محدش كان سامعه في المكتب.
شاف ليلى وهي بتسند سمير، وبتحاول ترفعه من السرير.
أمير حس بالړعب.
أخوه مش قادر يتحرك لوحده، وأي حركة غلط ممكن تسبب له إصابة خطېرة.
مد إيده ناحية الموبايل علشان يتصل بالحرس، وهو متأكد إن الممرضة فقدت عقلها، وإنها ممكن توقع أخوه على الأرض.
لكن قبل ما يضغط على زر الاتصال، حصلت حاجة خلت إيده تتجمد في مكانها.
السر اللي قلب كل حاجة
على الشاشة، سمير كان قاعد على طرف السرير، وليلى واقفة قدامه، ماسكة إيديه بإحكام.
قالت له بصوت هادي
خد نفس عميق يا سمير. زي ما اتفقنا. ماتستعجلش.
سمير كان باين عليه التعب والخۏف.
بص لها وقال
مش قادر يا ليلى رجلي مش شايلاني.
ردت عليه
إنت عملت أحسن من المرة اللي فاتت. إحنا مش مستعجلين. خد وقتك، وأنا معااك.
أمير كان بيتابع الكلام وهو مش فاهم حاجة.
وبعدين شاف ليلى بتسند جسم سمير، وتساعده يحط رجليه على الأرض.
وفجأة
سمير وقف!
أيوه، وقف على رجليه الاتنين!
الرجل اللي بقاله سنين ماقدرش يعتمد عليها، بدأت تشيل جزء من وزنه، ولو للحظات قليلة.
أمير فتح عينيه على آخرهما، وحط إيده على بقه.
يا نهار أبيض سمير!
همس بالاسم وهو مش مصدق اللي شايفه.
رجلي سمير كانوا بيرتعشوا بشدة، وجسمه كان بيميل يمين وشمال، وليلى كانت ماسكة إيديه وبتسنده بكل قوتها.
وبعد ثواني، قالت له
بص قدامك، ماتركزش في رجليك بس. حاول تنقل وزنك واحدة واحدة.
سمير بلع ريقه، وشد على إيديها.
وببطء شديد، حاول يرفع رجله اليمين ويحركها خطوة صغيرة لقدام.
نجح!
كانت خطوة قصيرة جدًا، لكنها كانت خطوة حقيقية.
وبعدها حاول يحرك رجله التانية.
خطوة تانية!
أمير حس إن دموعه بدأت تتجمع في عينيه.
هو اللي جاب أكبر الأطباء، ودفع ملايين علشان أخوه يتحسن، وكان فاقد الأمل إنه يشوفه واقف تاني.
وفجأة، قدامه على الشاشة، أخوه كان بيحاول يمشي!
لكن اللحظة ماكملتش.
ركب سمير خانته، وجسمه مال لقدام، ووقع على السجادة.
أمير شهق، ورفع الموبايل بسرعة، مستعد يجري ناحية أوضة أخوه.
لكن ليلى كانت أسرع.
نزلت على ركبتها جنبه، وسندت راسه، وفضلت تسأله إذا كان حاسس پألم، وبعدها ساعدته يرجع لوضع آمن على الأرض قبل ما تسنده تاني.
سمير كان بيتنفس بصعوبة، ووشه مليان عرق.
قال لها بإحباط
أنا فشلت تاني.
ليلى هزت راسها بسرعة.
لأ يا سمير، إنت ما فشلتش. إنت وقعت، وده ممكن يحصل أثناء التدريب. المهم إننا نتأكد إنك بخير، وإن أي محاولة تكون آمنة وتحت إشراف الفريق الطبي. ماتضغطش على نفسك أكتر من اللازم.
سمير غمض عينيه، وقال
أنا تعبت من الوقوع. كل مرة أحاول أقف، بحس إني برجع لنقطة الصفر.
ليلى مسحت العرق من على جبينه، وردت
إنت مش في نقطة الصفر. إنت النهارده وقفت، وخدت خطوتين. وده تقدم يستحق إنك تفرح بيه، حتى لو لسه الطريق طويل.
أمير كان واقف قدام الشاشة، ودموعه نازلة من غير ما يحس.
وفجأة، فهم كل حاجة.
الكدمات اللي كان فاكر إن ليلى بتسببها لأخوه عمدًا، كانت على الأرجح ناتجة عن محاولات سمير المتكررة لاستعادة قدرته على الوقوف والمشي، رغم إن السبب الدقيق لأي كدمة كان لازم يتراجع طبيًا.
وإصرار ليلى إنها تقعد معاه لوحدهم ماكانش بالضرورة دليل على إنها بتخبي چريمة، لكن كان فيه سر أكبر من كل اللي تخيله.
سمير كان بيحاول يمشي من جديد من غير ما يقول لأخوه!
ماتقولش لأمير لسه
أمير كان على وشك يسيب المكتب ويجري على أوضة أخوه، لكن فجأة سمع صوت سمير من خلال الميكروفون.
ليلى
ردت عليه
أيوه؟
قال بصوت متعب
إنتِ شايفة إني ممكن أمشي تاني بجد؟
ليلى سكتت لحظة، وبعدها ردت بحذر
أنا شايفة إنك بتبذل مجهود كبير، وإن فيه تقدم في المحاولات اللي بتعملها. لكن محدش يقدر يوعدك بالنتيجة، ولازم الطبيب المختص يقيّم حالتك ويحدد إيه الآمن ليك. المهم ماتفقدش الأمل، وفي نفس الوقت ماتعرّضش نفسك للخطړ.
سمير ابتسم ابتسامة صغيرة.
وبعدها قال
عارفة إيه أكتر حاجة نفسي أعملها؟
إيه؟
نفسي أقف قدام أمير وأمشي له بنفسي. نفسي أشوف وشه وهو بيكتشف إني بقيت أقدر أقف على رجلي، حتى لو مشيت خطوتين بس.
ليلى ابتسمت، وقالت
هو أكتر واحد نفسه يشوفك أحسن من أي حد.
سمير بص ناحية الباب، وبعدها قال بصوت واطي
علشان كده مش عايز أقوله دلوقتي. هو دفع فلوس كتير، وجاب دكاترة من بلاد مختلفة، واستحمل معايا سنين. مش عايز أعلّقه بأمل جديد وبعدين أخيّب ظنه لو ماقدرتش أكمل.
أمير حط إيده على صدره.
الكلام ده وجعه أكتر من أي حاجة شافها.
هو كان فاكر إن أخوه ساكت لأنه استسلم، وإنه بقى راضي بحياته الجديدة، لكنه اكتشف إن سمير كان بيحارب في صمت، وبيخبي عنه محاولاته خوفًا من إنه يوجعه مرة تانية.
سمير كمل كلامه
كل مرة كنت بحاول أقف، كنت بفتكر وش أمير لما الدكتور قال له إني ممكن ما أمشيش تاني. أنا مش عايز أشوف نفس النظرة دي في عينيه. لو فشلت، هكون أنا اللي اتوجعت، لكن لو علّقته بالأمل وبعدين فشلت، هحس إني كسرت قلبه مرة تانية.
ليلى ردت عليه
بس إنت مش مسؤول عن مشاعره لوحدك يا سمير. أمير أخوك، ومن حقه يعرف اللي بتمر بيه، خصوصًا لو فيه حاجة ممكن تأثر على سلامتك. الأفضل تتكلموا مع بعض، ومع الفريق الطبي، بدل ما تشيل كل ده لوحدك.
سمير سكت شوية، وبعدها قال
خليني أحاول كام مرة كمان. لو قدرت أثبت لنفسي إني بتقدم، هقوله. بس أرجوكي، ماتقوليلوش دلوقتي.
ليلى ما وعدتوش إنها هتخبي عنه أي حاجة تخص سلامته، لكنها قالت له إنها هتساعده يتكلم مع أخوه لما يكون مستعد، وإنها مش هتسمح له يضغط على نفسه فوق طاقته.
أما أمير
فكان واقف في مكتبه، بيحاول يمنع نفسه من البكاء بصوت عالي.
غطى وشه بإيديه، وفضل يبكي في صمت.
سنين من الخۏف والقلق والإحباط، وسنين من الدعاء والأمل، كلها اتجمعت في اللحظة دي.
كان نفسه يدخل على أخوه، ويحضنه، ويقوله إنه مش محتاج يثبت أي حاجة لأي حد.
لكن في نفس الوقت، فهم ليه سمير اختار يخبي محاولاته.
أخوه كان خاېف يحلم، لأن كل حلم سابق كان بيتبعه ۏجع جديد.
وأمير، من غير ما يقصد، كان ساعات بيخليه يحس إن رجوعه للمشي هو الحاجة الوحيدة اللي ممكن ترجع السعادة للبيت.
مع إن الحقيقة كانت أبسط من كده.
سمير كان أخوه، سواء مشي أو فضل على الكرسي المتحرك طول عمره.
مواجهة ماكانتش في الحسبان
تاني يوم الصبح، أمير ماقدرش يستنى.
راح جناح أخوه بدري، وطلب من العاملين يسيبوه معاه شوية.
دخل الأوضة، ولقى سمير قاعد على السرير، بيبص من الشباك على الحديقة.
أول ما شافه، ابتسم

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *