قضيه نسب
حطت إيدها على صدرها، وقالت:
— أنا مريضة بالمرض الوحش… ومش عايزة أموت وأنا شايلة السر ده.
بصت لي في عيني وقالت:
— لازم أقابل ربنا وأنا نضيفة.
عيني وسعت وأنا بقول:
— سر إيه؟
بصت لي كتير وبعدين قالت:
— السر اللي حصل يوم ولادتك…
يتبع في الجزء الأخير…………
خرجت من بيت طاهر وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
قفل الباب ورايا، وفضلت واقفة ثواني أبص له.
البيت ده أنا دخلته من سنين وأنا عروسة، وخرجت منه النهارده وأنا متهـ.ـمة في شرفـ,ـي.
مسحت دموعي بسرعة، وافتكرت خالد.
ابني لسه في المستشفى وأنا مش هسيبه.
ركبت أول عربية أدامي, وطلبت من السواق يوديني المستشفى.
طول الطريق، كنت باصة من الشباك وساكتة.
لكن جوايا ألف سؤال.
هو طاهر صدق فعلًا إني خونته؟
ولا كان مستني أي دليل عشان يصدق الشك اللي عاش معاه سنين؟
طب إزاي بسهولة كده طلقني؟
أسئلة كتير ملقتش ليها أي إجابة!
ولما وصلت المستشفى، جريت ناحية أوضة خالد.
كان نايم، وشكله تعبان ، وإيده متوصلة بالمحاليل.
قعدت جنبه، ومسكته من إيده.
همست:
— أنا هنا يا حبيبي… ماما مش هتسيبك.
نزلت دموعي على إيده.
— حتى لو كل الناس سابتنا… أنا مش هسيبك.
فضلت قاعدة جنبه وقت طويل.
وبعدها دخلت الممرضة وقالت لي:
— حضرتك هتفضلي هنا؟ هتباتي معاه يعني؟
بصيت لها:
— أيوه، ده ابني.
هزت راسها:
— طبعًا، بس هو نايم دلوقتي، وإنتِ كمان حاولي ترتاحي.
ابتسمت بسخرية وأنا بقول:
أرتاح؟
إزاي؟
وأنا حياتي كلها اتقلبت في يوم واحد.
————
بالليل، كان خالد نايم.
وأنا قاعدة على الكرسي جنبه، راجعت كل كلمة قالها طاهر في دماغي.
“ليه خالد مش شبهي؟”
“ليه عنده نفس مشكلة عمى الألوان اللي كان عند عادل؟”
“عادل كان بيجيلكم البيت؟”
غمضت عيني.
عادل.
ليه الاسم ده رجع تاني؟
أنا عمري ما خونت طاهر.
لكن الحقيقة اللي كنت بخاف أعترف بيها لنفسي…
إن عادل كان أول حب في حياتي.
ويمكن ده السبب اللي خلّى طاهر يشك طول الوقت.
لكن هل ممكن يكون شكه وصل لدرجة إنه يتخيل إن خالد ابنه؟
بصيت لخالد.
وبعدين همست:
— مستحيل.
لكن صوت الدكتور رجع في دماغي:
“فصيلة الدم بتستبعد إن خالد يكون ابنك إنتِ وطاهر.”
اتوترت.
أنا متأكدة إن خالد ابني.
حملته تسع شهور.
ولادته قدامي.
أنا اللي حضنته أول ما اتولد.
أنا اللي رضعته.
أنا اللي عشت كل لحظة في عمره.
لكن التحليل…
التحليل بيقول حاجة تانية.
————
تاني يوم، طلبت أشوف الدكتور.
دخلت مكتبه وقولت:
— أنا عايزة أعرف كل حاجة.
بص لي:
— حضرتك تقصدي إيه؟
— التحاليل والكلام اللي حضرتك قولتله لجوزي .. قصدي طليقي!
الدكتور بصلي وهو مش فاهم.. بس أنا كملت:
— أنا مش ههرب من الحقيقة يا دكتور، بس عايزة أفهم إزاي ؟؟ خالد يبقى ابني وأنا متأكدة إنه ابني؟
قال بهدوء:
— فصيلة الدم بتستبعد إنه يكون ابن حضرتك ووالده، لكن لو عايزين نحسم النسب بشكل نهائي، لازم تحليل DNA.
قلبي دق حسيت إن فيه أمل:
— ويتعمل إمتى؟ وإزاي؟
قالي:
— ممكن نبدأ الإجراءات من دلوقتي.
سكت لحظة، وبعدين قولت:
— ياريت يادكتور يالا بينا أنا مستعدة!
بص لي باستغراب:
— حضرتك متأكدة؟
— أيوه.
وبعدين سألته:
هو التحليل ده هيأكد إن ابني مش كده؟ ولا ابننا احنا الاتنين؟
— لا. تحليل DNA يقدر يحدد صلة الطفل بكل واحد منكم بشكل واضح.
نزلت عيني وقلت:
—الحمدلله وأنا مستعدة جدا يادكتور
————
خرجت من عند الدكتور وأنا حاسة لأول مرة من يومين إن فيه خيط ممكن يوصلني للحقيقة.
مش عارفة النتيجة هتقول إيه…
لكن كنت مستعدة أعرف.
رجعت أوضة خالد، لقيته لسه نايم.
قعدت جنبه، ومسكته من إيده.
وبصيت في وشه وأنا بقول لنفسي:
أنا هثبت إنك ابني… مهما حصل.
لكن فجأة افتكرت عادل.
افتكرت سؤال طاهر:
“ليه عنده نفس مشكلة عمى الألوان اللي عند عادل؟”
من يومها والسؤال ده جوايا من غير إجابة.
يمكن أنا رفضت أصدق طاهر طول السنين…
لكن دلوقتي، وأنا قدام نتيجة بتقول إن خالد مش ممكن يكون ابنه، كان لازم أقطع الشك من جذوره.
لو عادل فعلًا ملوش علاقة بخالد…
يبقى لازم أثبت للكل كده.
طلعت موبايلي، وفضلت أبص على رقمه فترة طويلة.
آخر مرة كلمته كانت من سنين.
وآخر مرة شوفته فيها، كنت فاكرة إن دي نهاية كل حاجة بينا.
أخدت نفس طويل، وضغطت اتصال.
رد بعد كام رنة:
— ألو؟
سكت.
قال:
— سلوى؟
قلت بصوت متردد:
— أيوة
سكت هو كمان.
وبعدين قال:
— حصل إيه؟
حاولت أتماسك:
— عايزاك تيجي المستشفى.
اتوتر صوته:
— المستشفى؟ ليه؟ إيه اللي حصل؟
— محتاجة أتكلم معاك.
سكت لحظة وقال بلهفة:
— حاضر، أنا جاي حالًا.
وقفل.
————
بعد حوالي نص ساعة، شوفته داخل من باب المستشفى.
أول ما عيني وقعت عليه، حسيت بحاجة غريبة جوايا.
ست سنين كاملة مروا…
لكن قلبي افتكره في لحظة.
وقف قدامي وقال:
— سلوى…
معرفتش أقول حاجة.
بص لي كتير وقال:
— إنتِ كويسة؟
ضحكت ضحكة باهتة:
— شكلي كويسة؟
هز راسه بأسى:
— لا.
سكتنا.
وبعدين سأل:
طييب ايه اللي حصل؟ فهميني!
حكتله باختصار اللي حصل… كان صعب عليا أقول كل الاتهامات اللي كانت عليا أدام ابن عمي، لكن مكنش أدامي حل تاني. وفي اخر الكلام قولتله بصوت مهزوز:
بس أنا مخونتوش.
— أنا عارف.
الجملة دي هزتني.
يعني إنت عارف وجوزي لأً!
بص لي وكمل:
— عشان أنا عارفك يا سلوى.
نزلت دموعي غصب عني:
— أنا تعبت يا عادل.
سابني أكمل:
— كل السنين دي وأنا بحاول أثبتله إني مخلصة وكل مرة كان بيشك فيك وفيا كنت بتقطع!
سكت شوية، وبعدين قال:
— وإنتِ عايزاني أعمل إيه؟
— عايزاك تعمل تحليل DNA.
بص لي في صدمة وبعد لحظات قال:
— موافق.
————
خرجنا من المستشفى بعد ما عملنا احنا الاتنين التحليل
عادل فضل ماشي جنبي.
ولا واحد فينا كان بيتكلم.
لحد ما قال:
— لسه زي ما إنتِ.
بصيت له باستغراب:
— يعني إيه؟
ابتسم:
— لما بتخافي… بتلعبي في إيدك كده بتوتر.
بصيت لإيدي.
كنت فعلًا بلف الخاتم القديم اللي في صباعي.
ضحكت لأول مرة من وقت طويل.
— لسه فاكر؟
— فاكر كل حاجة.
سكتنا شوية..
وبعدين قال:
— عارفة إيه أكتر حاجة وجعتني؟
— إيه؟
— إني شوفتك بتتجوزي غيري… وأنا واقف أتفرج.
نزلت عيني وقولت:
— الموضوع ده فات عليه زمن يا عادل.
بص لي وكمل:
— أنا وقتها كنت بحاول أقنع نفسي إني أقدر أعيش من غيرك.
قلت بصوت واطي:
— وفعلاً عشت؟
قالي بندم:
بس عمري مانسيتك ولو لحظة!
نزلت دمعة من عيني..مسحتها بسرعة وقولت:
— عادل… إحنا مش في وقت لكلام زي ده.
قال بهدوء:
— أنا عارف.
سكت شوية وبعدين قال:
— بس لو سألتيني الحقيقة… أنا لسه بحبك.
قلبي دق بسرعة ما قدرتش أهرب المرة دي.
ولا قدرت أرد.
بص لي كتير لكن ما حاولش يقرب ولا لمس إيدي.
بس قال:
— المهم دلوقتي خالد.. عشان يعرف يعيش حياته راسه مرفوعة.
هزيت راسي وقولتله:
— معاك حق
————
وصلني عادل لبيت أهلي القديم عشان أجهزه قبل ماخالد يرجع ونعيش فيه.
وقفت قدام الباب، وبصيت للمكان.
البيت كان فاضي من سنين، لكن النهارده كان المكان الوحيد اللي أقدر أرجع ليه.
عادل نزل الشنطة من العربية وقال:
— لو احتجتي أي حاجة، كلميني.
بصيت له وقولت:
— شكرًا إنك هنا.
ابتسم وقالي:
— أنا هفضل جنبك علطول..
دخلت البيت، وهو فضل واقف شوية وبعدين مشي.
في آخر اليوم كان خالد خرج من المستشفى، أخدته ورجعنا البيت.
كان لسه تعبان، لكنه أحسن.
دخل الأوضة وقعد على السرير.
بص لي وقال:
— ماما؟
— نعم يا حبيبي؟
— بابا فين؟
سكت وقعدت جنبه:
— بابا مش معانا دلوقتي.
— هو زعلان مني؟
اتوجع قلبي وقولت:
— لأ يا حبيبي، إنت مالكش ذنب في أي حاجة.
— طب ليه مرجعناش بيتنا وجينا هنا لوحدنا؟
مسكت إيده وقولت:
— حصلت مشكلة بيني وبين بابا.
— مشكلة إيه؟
ابتسمت بحزن:
— حاجة بين الكبار.
سكت شوية وبعدين سأل:
يعني هنرجع البيت تاني مش كده؟
ابتسمت وحاولت أداري دموعي:
— باذن الله. المهم تنام دلوقتي.
حضي جامد وقالي:
بس تنامي في حضني.
قولتله:
حاضر يا نور عيني..قربت منه وخدته في حضني ونمت.
————
عدا اسبوعين معرفش عدوا ازاي لكنهم عدوا كنت قاعدة أنا وخالد وقتها بنتفرج على التليفزيون، وقتها لقيت تليفوني رن.
كان الدكتور…
رديت بسرعة:
— ألو؟
— مدام سلوى، ممكن تيجي المستشفى؟
قلبي اتقبض وقولت:
خير؟
سكت لحظة وقال:
— نتيجة تحليل الـDNA ظهرت.
اتجمدت.
—طب ايه يادكتور طمني؟
— تعالي الأول يا مدام سلوى.
قفلت معاه، وخدت خالد وجريت على المستشفى
————
دخلت مكتب الدكتور.
كان ماسك الملف في إيده.
بص لي وقال:
— مدام سلوى، أنا عارف إن الكلام ده صعب… بس لازم تعرفي الحقيقة.
قعدت قدامه وأنا بترعش:
— قول يا دكتور.
— التحليل اتعمل في مكان دقيق جدًا وأنا اتكفلت بمصاريفه بناء على الحالة اللي اتسببت فيها بينكم انتي ووالده!
قلبي كان بيدق بسرعة جدًا قولتله:
— والنتيجة؟
بص لي:
— خالد مش ابن حضرتك ولا ابن والده طاهر، ولا ابن أستاذ عادل اللي حضرتك طلبتي نضيفه في التحليل من غير معرفة الوالد
حسيت إني مش سامعة:
— إيه؟
— يعني إيه مش ابني؟
صوتي خرج ضعيف:
— أنا اللي ولدته يا دكتور!
سكت وبدأت أعيط.
— أنا اللي حملت فيه… أنا اللي ولدته… إزاي تقول لي مش ابني؟
قال بهدوء:
— أنا مقدر صدمتك، لكن التحليل مستحيل يخطيء في تحديد النسب بالشكل ده!
حطيت إيدي على راسي وقولت:
— طب أنا أعمل إيه دلوقتي؟
وبعدين ثواني حضرتك قولت انه مش ابن عادل كمان؟
قالي:
اه.
قولتله وأنا باخد نفسي بالعافية:
طاهر حد بلغه بالنتيجة ولا لأ؟
قالي:
أنا كلمت حضرتك الأول عشان معملش مشاكل تاني وقوليلي أبلغه بالنتيجة كاملة ولا بالجزء اللي يخصكم بس؟
رفعت عيني له:
بلغه بالنتيجة كلها يادكتور أبوس إيدك, ده دليل برائتي!
ابتسم وقالي:
مفيش مشكلة.
مشيت وأنا تايهة مش عارفة أعمل إيه ولا أتصرف إزاي؟
بس قبل ما أبعد افتكرت حاجة، وقفت وسألته:
— يا دكتور…
— أيوه؟
— هو عمى الألوان… صحيح أنه يتنقل من الأب لابنه؟
بص لي باستغراب:
— حضرتك بتسألي ليه؟
— معلش يا دكتور ريحني، السؤال ده جنني سنين نفسي ألاقيله إجابة!
سكت لحظة، وبعدين قال:
— لو تقصدي عمى الألوان الأحمر والأخضر، فالموضوع مش بالشكل ده.
سكت وقولتله:
— يعني إيه؟
قال:
— النوع ده غالبًا مرتبط بالكروموسوم X. والأب المصاب لما يكون عنده ابن ذكر، بيدي له كروموسوم Y، مش X. يعني الأب المصاب بعمى الألوان ما بينقلش الصفة دي مباشرة لابنه الذكر.
فضلت ساكتة.