اتنكرت في ذي رجالي
شباب المنطقة كانوا واقفين على الأسطح ومعاهم سلاح حي وموجهين على رجالة الشناوي. حسام ذراع ماجد اليمين اتمسخ وشه، وهمس في أذن ماجد بصوت مرعوب: “يا باشا ننسحب… المكان هنا لغم.” ماجد بص حواليه وشاف المحاصرة الشديدة، وبعدين بص لعز الدين بكره مفيش بعده، وقال وهو بيصر على أسنانه: “مش هنساهالك يا مغربي… والحساب بيننا يطول.
” عز الدين ابتسم ببرود، وقال وهو بيلف ضهره بلامبالاة: “سلملي على أبوها… وقوله البضاعة اللي رميتوها، بقت في حماية المغربي.” ركب ماجد ورجالته العربيات، وأخدوا يو-تيرن وغادروا الشارع بسرعة جنونية وكأنهم بيهربوا من جحيم. أنا فوق نزلت على الأرض وسندت ضهري على الحيطة وأنا بأخد نفسي بصعوبة… الدموع كانت نازلة من عيني، بس المرة دي مكانتش دموع خوف.
كانت دموع راحة. بعد عشر دقايق، سمعت صوت خطوات تقيلة طالعة على السلم الحديد. خبطتين هاديين على الباب. فتحت… كان عز الدين واقف، شعره مشكوك خفيف من الهواء، وعينيه السمرا بصالي بهدوء. “مش قولتلك ما تبصيش من الشباك؟” قالها بابتسامة خفيفة.
بصيت له بصوت مخنوق بالدموع: “إنت… إنت مشيتهم بجد؟” عز الدين دخل الشقة وقفل الباب وراه ببطء، وقرب مني لحد ما بقى واقف قصادي بالظبط. مسك كف إيدي المرتعش بين إيديه الدافية، وقال بصوت واطي ومتقاطع: “الشناوي انتهى يا ملك… مش بس من الشارع، الشركات والمخازن بتاعته ورقها كله تحت إيدي من الصبح وبكرة الصبح النيابة العامة هتفتح ملفاته.
مش هتقصي شعرك تاني، ولا هتلبسي أفرول واسع، ولا هتعيشي باسم راجل مش موجود.” دمعة نزلت من عيني، وعز الدين رفّع إيده وبصوابعه النظيفة مسحها ببطء شديد عن خدي. “دلوقتي…” همس وهو بيبص في عيني بنظرة جديدة تماماً، “ملك عبدالسلام كملت الخمسة وعشرين سنة… وما حدش في الدنيا دي كلها هيقدر يجبرها على حاجة تاني.
” مرت تلات سنين. تلات سنين من اليوم اللي مسح فيه عز الدين الدمعة من على خدي، ومن الساعتها… الدخان اللي كان مغطي حياتي اتكشف تماماً. ماجد الشناوي ما لحقش حتى يفكر ينتقم. أوراق المخازن المشبوهة، وقضايا التخليص الجمركي المضروبة اللي عز الدين رمى ملفاتها في النيابة ثاني يوم، كانت كفيلة إنها تطير اسمه من السوق في أسبوعين.
الممتلكات اتجمّدت، والشركات اتأفلت، وماجد قضى باقي حياته بيتجول بين أروقة المحاكم، لحد ما بقاش حيلة إيده غير الذكريات والنفوذ اللي أتمحى. أما أبويا… فلما عرف إن ماجد وقع، وإن ملك مش مجرد بنت هربانة، دي بقت تحت حماية عز الدين المغربي بكل قوته ونفوذه، اختار السكوت.