كان الجنود على الحدود

في غرفة واسعة جداً بأحد القصور الفخمة التي يشبه تصميمها التراث الملكي القديم، كانت آية قاعدَة على سرير فخم ومنور بنور هادئ ساقط من النجف الكريستال. فتحت عيونها ببطء شديد وهي حاسة بوجع ودوخة في راسها. بصت حواليها باستغراب شديد؛ الأوضة دي مش أوضتها خالص! انتفضت من مكانها بسرعة، حاولت تقوم وتقف، لكن رجلها خذلتها، فوقفت ع السرير بصدمة. بصت لفوق ودموعها سبقتها، ورفعت ايديها تحاكي ربنا بصوت مكسور:

— يارب.. أنا إيه اللي بيحصلي ده؟ أنا غلط في إيه عشان يحصلي كل ده؟ يارب تكون معايا وجنبي.. يارب احميني، ماليش غيرك!

رجعت بجسمها لورا، وعيونها المتورمة من كتر البكاء باينة من تحت النقاب اللي لابسه. جسمها الصغير وقوامها الطويل كانوا بيرتجفوا، وراحت ذاكرتها تتذكر اللي حصل وخلاها توصل للمكان ده..

(فلاش باك)

في فيلا كبيرة وواسعة تبدو عليها مظاهر الثراء، في الطابق العلوي، كانت آية واقفة في نص أوضتها بتؤدي فرضها بخشوع لحد ما سلمت. خلصت، أخدت شنطتها وأوراق شغلها، ونزلت متجهة لمدخل الفيلا. لقت أبوها قاعد مع مراته. قربت منهم بتهذيب وقالت:

— السلام عليكم.

زوجة الأب بصت لها ببرود وقالت:
— صباح النور.

الأب قال بجدية:
— وعليكم السلام.. رايحة فين ع الصبح كده يا آية؟

آية كانت فتاة في غاية الجمال، لكنها كانت مدارية جمالها ده تحت النقاب. تبلغ من العمر خمس وعشرين سنة، ليها عينين بلون السما الصافي وشعر بني غزير مخبيه تحت حجابها. ردت بهدوء:
— رايحة الشغل يا بابا، عن إذن حضرتك.

لفت عشان تمشي، لكن وقفت تاني على صوت أبوها وهو بيقول بحزم:
— اقفي عندك يا آية! هو أنا سمحتلك تمشي؟ تدخلي وقت ما أنتِ عاوزة وتخرجي وقت ما أنتِ عاوزة!

زوجة الأب مثلت البراءة وقالت:
— أهي يا حبيبي على طول كده! ولو قلتلها يا حبيبتي ميصحش كده، تزعل وتتضايق!

آية بصت بذهول واستنكار للي بتقوله، وقالت بصوت مهتز:
— أنا عمري ما قلت لحضرتك كلمة تضايقك! لو سمحتِ يا طنط بلاش اتهامات، أنا بتعامل بمنتهى الذوق والاحترام!

الأب قال بملامح صارمة:
— اتفضلي روحي شغلك دلوقتي، ولما ترجعي ليا كلام تاني معاكي، أنا تعبت من كثر المشاكل دي!

مسحت آية دموعها بسرعة اللي نزلت تحت نقابها، ونزلت متجهة لعملها.

وقفت قدام الفيلا مستنية تاكسي، ولما ملقاتش، مشيت شوية لحد ما لقت تاكسي واقف على جنب. ركبت في الكنبة اللي ورا، وفجأة لقينا عربية ملاكي فخمة وقفت قدام التاكسي ونزل منها شخصين، فتحوا باب التاكسي وركبوا معاها. حاولت تتفاجأ وتسألهم في إيه، لكن أخدت صدمة لما لقت سواق التاكسي نفسه بيبصلها بتهدئة وكأنهم متفقين. نزلت من التاكسي بهدوء تحت الضغط، وركبت معاهم العربية التانية. في الطريق، حاولت تتكلم، بس قالولها باقتضاب: “احفظي لسانك، إحنا رايحين لمكان لازم تكوني فيه بإرادتك أو بغيرها.. والدك عليه التزامات قانونية ومالية ضخمة، وأنتِ الحل الوحيد!”

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *