عزّة نفس في بلاد الغربة ج 1 حكـايات مني السيد حصري

المغرور اللي طردني وظلمني وجاع دلوقتي وجاي يقف في طابوري!.. لف وشه وخد خطوة للخلف عشان يهرب من الباب، كتفه خبط في إطار الباب، وراسه مطاطية في الأرض من كتر الخزي والمهانة.
لكن خطوة أميمة كانت هادية وراسية.. مفيهاش لهفة اڼتقام ولا فيها غرور القوة. وقفت قدامه على بعد خطوتين، وبصت في عينيه مباشرة بنظرة صريحة وصافية، نظرة بنت البلد اللي عينها مليانة بالرضا ومفيش في قلبها غل يشوهه.
أهلاً بحضرتك يا أستاذ وائل.. خطوة عزيزة، نورت فيصل.
الكلمة نزلت على وائل زي كرباج سخن؛ لو كانت شتمته أو ضړبته بالقلم كان هيبقى أهون عليه مېت مرة من الأدب والذوق ده. لسانه تقل، وشفايفه الناشفة كانت بتترعش وهو بيحاول يدور على أي صوت يخرج من حنجرته أميمة.. أن.. أنا.. الكلمة وقفت في زوره، وعينيه دمعت رغماً عنه، نزل راسه في الأرض وهو بيكمل بصوت مكسور
أنا مكنتش أعرف إن ده محلك.. أنا كنت بدور على أي لقمة رخيصة تسند طولي.. أنا ماشي، حقك عليا، ومش هتشوفي وشي هنا تاني.
لف ضهره عشان يخرج للشارع ويهرب من عيون الناس اللي كانت متابعة، بس أميمة مدت إيدها ومسكت طرف كم بدلته القديمة بالراحة من غير قسۏة، وقالت بصوت واضح سمعته الصالة كلها استنى هنا بس، إحنا فلاحين وولاد أصول يا أستاذ وائل، ومفيش حد بيدخل عتبة بيتنا أو محلنا ويخرج ببطن خاوية.. حتى لو كان مين. اتفضل اقعد.
شاورت على ترابيزة صغيرة في الركن جنب شباك المحل، ترابيزة هادية ومستورة عن دوشة الطابور. سامح كان واقف ورا الكاونتر، عروق رقبته نفرت أول ما لمح وائل، وإيده ضغطت على قلم الحسابات كأنه هيكسره، وكان على وشك ينط من ورا الكاونتر عشان يصفي حسابه القديم معاه، لكن أميمة بصت لسامح نظرة واحدة بس، نظرة فهمها سامح على طول
سيب

الموضوع ده ليا، وإحنا مش بتوع أذى.
وائل قعد على الكرسي كأنه بيقعد على جمر ڼار، حاطط وشه بين كفوفه ومش قادر يرفع عينه في أي حد. أميمة دخلت المطبخ بنفسها، ووقفت قدام الحلل الكبيرة اللي بتغلي بالبركة. فتحت حلة طاجن اللحمة بالبامية، حطت قطعتين لحمة ضاني دايبين، وغرفت طبق رز بشعرية مفلفل بسمنة بلدي يفتح النفس، وحطت جنبه طبق شوربة لسان عصفور سخنة، وسلطة خضرا بلدي مقطعة فريش، ورغيفين عيش طالعين لسه من الفرن ببخارهم.
رصت الصينية بإيدها، وراحت بنفسها حطت الأكل قدامه على الترابيزة. سمي الله يا أستاذ وائل، وكل بالهنا والشفا.. لقمة سخنة ترد فيك الروح.
وائل بص للصينية، ودموعه نزلت بللت وشه ونقطت على الترابيزة الخشب أنا.. أنا معيش تمن الصينية دي يا أميمة.. أنا كل اللي في جيبي تلاتين جنيه.. والله العظيم تلاتين جنيه بس، ده كل اللي باقي معايا من الدنيا!
أميمة قعدت على الكرسي اللي قصاده، وابتسمت ابتسامة خفيفة مليانة حكمة الأكل ده ملوش تمن عندي، ومحدش بيحاسب على كرم ربنا.. كُل يا أستاذ وائل، مطرح ما يسري يمري.
وائل مسك المعلقة بإيد بتترعش زي الورقة في مهب الريح، وأول لقمة دخلت بقه مقدرش يستحمل، حط إيده على وشه وبكى بحړقة، عياط راجل اتهد كبرياءه في الأرض وعرف يعني إيه قلة الحيلة بعد العز، وعرف يعني إيه تدور الدواير وتلاقي اللي ظلمته هو الوحيد اللي بيطبطب عليك. بعد ما هدي شوية، فضل ياكل كأنه مأكلش من أيام، وكل لقمة كانت بتنزل في جوفه ممزوجة بندم مالوش آخر.
أميمة فضلت قاعدة قدامه لحد ما شرب كوباية المية، وبعدين قالتله بهدوء الدنيا ضاقت بيك يا أستاذ وائل، صح؟
اتنهد تنهيدة شقت صدره وقال بصوت مخڼوق ضاقت لحد ما قفلت خالص يا أميمة. بعد ما طردتك، ربنا مسابنيش.. صاحب المطعم الحاج عبد الرحيم جه فجأة، وراجع كل الحسابات، وعرف السړقة والتلاعب اللي كنت بعمله في الخامات عشان ألم فلوس، والعمال كلهم شهدوا عليا.. طردني بشرشحة وپهدلة في وسط الشارع، ومسبليش مليم واحد في حساباتي، بل وهددني بالحبس لو نطقت. حاولت أدور على شغل في كل مطاعم القاهرة والجيزة، مجرد ما يسمعوا اسمي يقفلوا الباب في وشي.. سمعتي بقت في الحضيض، مفيش حتى كشك ساندوتشات رضي يشغلني. مراتي طلبت الطلاق وخدت العيال وسابتني لما الفلوس خلصت، وصاحب الشقة طردني في الشارع عشان عليا إيجار ست شهور.. أنا بنام بقالي أسبوعين في جامع فيصل يا أميمة، وبلف على رجلي أشحت قرشين أشتري بيهم رغيفين حاف.. ده عقاپ ربنا ليا عشان دوست على الغلابة وافتريت عليكي!
أميمة سمعت كلامه وسكتت شوية، وبعدين قالت يوم ما طردتني يا أستاذ وائل، وكسرت المنديل اللي كان فيه شقا أبويا ودلقت

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *