عزّة نفس في بلاد الغربة ج 1 حكـايات مني السيد حصري

لقمة عيشي على الأرض، كنت فاكرة إن الدنيا انتهت.. كنت حاسة إن قلبي مكسور ومش هيرجع يتصلح تاني. بس أم رضا، الست الطيبة اللي أجرت عندها، قالتلي كلمة عمري ما هنساها ربنا قفل في وشك باب مالوش عازة عشان يفتحلك طاقة نور متخطرش على بالك. أنا مكنتش متخيلة إني هفتح محل، ولا كنت أحلم إن الناس هتطلب أكلي بالاسم، ولا إني هقدر أشتري لأبويا ماكينة الري الجديدة اللي رجعت الروح لأرضنا في المنوفية. أنا سامحتك يا أستاذ وائل.. سامحتك لوجه الله، لأن لو ربنا مكنش خلاك تطردني، مكنتش هكون واقفة هنا النهاردة صاحبة شغل وبأكل عشرات البيوت بالحلال.
وائل رفع راسه مذهول، مش مصدق إن في قلب بني آدم ممكن يشيل النقاء ده كله بعد كل الأڈى اللي شافه انتي بتسامحيني يا أميمة بعد كل اللي عملته فيكي؟! ده أنا كنت حيوان وظالم!
المسامح كريم، وربنا هو اللي بيحاسب مش العباد.. بس الأهم من المسامحة، إنك تكون اتعلمت الدرس وعرفت إن النعمة زوالة، وإن لقمة العيش اللي بتيجي بكسر خواطر الناس، بتبقى سم في بطن صاحبها.
قامت أميمة وراحت ناحية الكاونتر، اتكلمت مع سامح بصوت واطي لدقايق. سامح في الأول كان بيهز راسه بالرفض ووشه متضايق، لكن أميمة فضلت تكلمه وتفهمه بحكمة وابتسامة لحد ما سامح اتنهد وقال أمرنا لله يا أميمة.. اللي تشوفيه، أنتي قلبك كبير ومبيعرفش يكره.
رجعت أميمة لترابيزة وائل، وطلبت منه يقوم يقف معاها. طلعت من تحت الكاونتر كشكول كبير أزرق بتاع الحسابات والمخازن، وحطته قدامه أنا سمعت إنك متخرج من معهد سياحة وفنادق، وشاطر في الإدارة وحسابات البضاعة والموردين، مش كده؟
وائل بص للكشكول وبصلها باستغراب أيوا.. ده كان مجالي وعمري كله قضيت فيه عشرين سنة.. بس ده ماله ومال دلوقتي؟
أميمة قالت بلهجة جدية وحاسمة المحل بتاعنا بيكبر يا أستاذ وائل، وأنا وسامح مبتوعش ورق وحسابات، إحنا بتوع مطبخ وعربيات ونقل. إحنا داخلين على طلبيات لشركات كبيرة وعايزين حد يكون قاعد على الدفاتر؛ يظبط فواتير الموردين بتوع الخضار واللحمة، يراجع الجرد، ويشوف العلب اللي بتخرج واللي بتدخل بالقرش والمليم.. بس بشرط واحد ضميرك يكون أبيض من التوب ده، ومفيش مليم يضيع ولا حق عامل ينقص، وتتعامل مع أصغر عامل بيغسل حلة في المطبخ كأنه أخوك الكبير.
وائل حس إن روحه رجعتله، بس الصدمة شلته، عينيه وسعت وبدأ ينهج أنتي.. أنتي بتعرضي عليا شغل عندك يا أميمة؟! بعد اللي عملته معاكي تشغليني في محلك وتأتمنيني على فلوسك؟!
أنا مابشغلكش شفقة يا أستاذ وائل.. أنا بشغلك بعرقك وبصنعتك اللي بتفهم فيها، وهتاخد مرتبك بما يرضي الله زي أي راجل شقيان بياكل لقمته بالحلال، وأول شهر هديك منه سلفة مقدماً تدور على أوضة

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *