عزّة نفس في بلاد الغربة ج 1 حكـايات مني السيد حصري
بعد القهر اللي عاشته.
وصلت العربية مدخل القرية في المنوفية، والشمس كانت لسه طالعة. الناس في البلد أول ما شافوا عربية سامح وأميمة راجعة والماكينة الكبيرة محطوطة ورا، بقوا يضربوا سلامات ويباركوا أهلاً ببنت الأصول.. ما شاء الله يا أميمة، نورتي بلدك!
دخلت العربية عند بيت عم إبراهيم المتواضع.. البيت المبني بالطين والمسقوف بالخشب. خرج عم إبراهيم من الباب على صوت العربية، لابس جلابيته وماسك عكازه، وعينيه مش مصدقة.
أميمة نزلت تجري من العربية، وارتمت في حضڼ أبوها، وباست راسه وإيديه المشققة وهي پتبكي حقك رجع يا أبا.. وماكينتك اهي، جديدة ومن أحسن نوع، والأرض مش هتعطش تاني أبداً طول ما أنا عايشة!
عم إبراهيم دموعه نزلت على لحيته البيضا، وحضن بنته جامد وقال بصوت بيترجف يا بنتي.. أنتي جبتي الفلوس دي منين؟ أنتي لحقتي يا أميمة؟ ده بقالك شهر بس في مصر!
أميمة ابتسمت وقالتله بفخر من عرق جبيني يا أبا.. شقا حلال، ربنا فتحها عليا وبقيت أعمل أكل بيتي وأبيعه للشركات والمصانع في القاهرة، وبقى ليا اسم وزباين بيستنوني بالاسم!
أمها خالة فاطمة خرجت تزغرط، والبيت كله اتقلب فرح، والجيران اتلموا وعم إبراهيم دبح جدي صغير كان حابسه للموسم عشان يفرق لحمته على الغلابة شكر لربنا على نجاة بنته ونجاحها.
سامح ساعد الشباب ينزلوا الماكينة الجديدة ووصلوها للترعة، وركبوها وشغلوها.. وصوت الماكينة وهي بتدور وتضخ المية الصافية للغيط كان أحلى لحن سمعه عم إبراهيم في حياته، المية جرت في القنوات ووصلت للزرع العطشان، كأن الروح رجعت للأرض من تاني.
قضت أميمة اليومين في البلد وسط فرحة أهلها، بس في اليوم التالت، كان لازم ترجع القاهرة عشان زباينها وشغلها اللي مستنيها. ودعت أبوها وأمها بعد ما سابتلهم قرشين محترمين لمصاريف البيت وعلاج أبوها، ورجعت مع سامح وهي مقررة تاخد الخطوة الكبيرة تأجر محل صغير في فيصل ترخصه ويكون مطبخ رسمي ومطعم صغير للأكلات البيتي، ومتبقاش شغالة من البيت بس.
أول ما رجعت فيصل، بدأت تدور على محل، وفعلاً لقت محل صغير على ناصية ممتازة في شارع العشرين، إيجاره معقول وصاحبه راجل محترم. أميمة وسامح وأم رضا قلبوا المحل في تلات أيام دهان أبيض نضيف، ترابيزات خشبية بسيطة، لافتة قماش في الأول كتبوا عليها طبيخ أميمة.. على أصل أكل زمان، ومطبخ داخلي ستانلس ستيل مجهز عشان تقدر تطلع كميات أكبر.
في يوم الافتتاح، أميمة وزعت أكل مجاني على كل العمال الغلابة وسواقين التوكاتك والناس المحتاجة في الشارع، والبركة حلت على المكان من أول ساعة. المحل بقى عليه طابور، الناس اللي بتجرب مرة بترجع تاخد لأهاليهم، والشركات بقت تبعت مناديب مخصوص ياخدوا الطلبات اليومية بالكراتين.
في الوقت ده، كان مطعم المشويات الكبير في المهندسين، اللي كان شغال فيه أستاذ وائل، بيمر بأسوأ أيامه.
وائل، بعد ما طرد أميمة، الموضوع مخلصش عنده؛ البنات والعمال في المطعم كرهوه أكتر، وطباخ المطبخ الرئيسي دخل معاه في خناقة كبيرة وساب الشغل عشان وائل اتدخل في شغله وبوظ التتبيلات عشان يوفر مصاريف لحسابه الخاص. الزباين الكبار بتوع المطعم بدأوا يشتكوا من تدني مستوى الأكل، والتقييمات على الإنترنت نزلت للأرض، والجروبات بتاعة الأكل على فيسبوك بقت تنزل بوستات تحذير من المطعم وإن الأكل بقى بايت ومعډوم الطعم وريحته زفرة.
صاحب المطعم الحقيقي، راجل أعمال خليجي معاه شريك مصري اسمه الحاج عبد الرحيم، نزلوا مصر فجأة عشان يفتشوا ويفهموا ليه إيرادات المطعم بتخسر كل شهر، وليه الزباين طفشت.
الحاج عبد الرحيم قعد