عزّة نفس في بلاد الغربة ج 1 حكـايات مني السيد حصري
على شركات المقاولات، والمخازن اللي في المنطقة الصناعية في السادس من أكتوبر وأبو رواش. هناك في آلاف العمال والموظفين والمهندسين اللي بيقضوا طول اليوم في الشمس والتراب، ومفيش حواليهم غير كافيهات بتعمل أكل تيك أواي مجمد وطعمه زي الكرتون وبأسعار تقطم الوسط! أنا لو خدت كل يوم الصبح كراتين فيها وجبات بلدي سخنة ونظيفة من عمايل إيدك ووزعتها عليهم هناك، قسماً بالله ما هترجعي بعلبة واحدة، والطلب هيكون بالدور!
أميمة عينيها وسعت، والتردد كان واضح على وشها بس يا سامح.. دول مهندسين وشركات كبيرة، هيرضوا ياكلوا أكل بيتي في علب كرتون؟ وبعدين هنعمل ده إزاي وأنا معيش إلا ألفين جنيه؟
أم رضا ضړبت كفها على رجلها وقالت بزغرة لأميمة جرى إيه يا بت يا أميمة؟! هو الأكل النضيف البلدي بيتقال عليه لأ؟! دول هيبوسوا إيديهم وش وضهر لما يلاقوا لقمة بطعم أكل أمهاتهم! وبالنسبة للألفين جنيه، يكفوا ويزيدوا كبداية، نشتري خضار طازة وفراخ ورز، ونعمل عشرين وجبة بس كتجربة بكرة وبعده.. لو مشيت، نكمل، ولو مامشيتش نبقى حاولنا بشرف ومقعدناش نندب حظنا!
سامح طلع من جيبه ألف جنيه، وحطهم على الطربيزة قدام أميمة وقال ودول سلفة مني يا ستي عشان تجيبي بيهم علب فويل وعلب بلاستيك وشوك من سوق الجملة، ومش هاخدهم منك غير لما تبيعي أول دفعة ويكون معاكي مكسبك.
أميمة شافت في عينيهم جدعنة ولاد البلد، الجدعنة اللي ما تتقدرش بتمن، حست إن ربنا بعتلها الناس دول عشان يمسكوا إيدها من حافة الهاوية. مسحت دموعها بإصرار، وعقدت العزم وقالت توكلنا على الله.. يا رب أنت المستعان وماتحوجناش لحد.
الساعة كانت داخلة على واحدة بالليل، مفيش وقت للنوم. سامح نزل أميمة على سوق الجملة في فيصل اللي بيبقى شغال طول الليل؛ اشتروا كرتونة علب فويل محكمة الغلق، وملاعق وشوك، وشنط بلاستيك. ومن عند بتاع الفراخ اشتروا خمس فرخات طازة، وشوال بطاطس، وشوال رز مصري نضيف، وشوية توابل فريش وبصل وتوم. الفلوس اللي كانت معاها صرفتها كلها ومتبقاش في جيبها غير خمسين جنيه بس! الرهان كان على كل حاجة أو لا شيء.
رجعوا البيت الساعة اتنين ونص الفجر، ومن اللحظة دي تحول مطبخ الست أم رضا لخلية نحل حقيقية.
أم رضا قعدت على كرسي واطي تقشر التوم وتنقي الرز، وأميمة شمرت دراعاتها، وبدأت تغسل الفراخ بالدقيق والليمون والملح والخل لحد ما بقت ريحتها زي الورد وبياضها ينور. ولعت عيون البوتاجاز الأربعة حلة كبيرة حطت فيها مية وورق لورا وحبهان وبصل وطماطم لسلق الفراخ، وحلة تانية عملت فيها تسبيكة صلصة الطماطم بالبصل المكرمل والتوم ورشة السكر الخفيفة اللي بتعدل الحموضة، وحلة تالتة كبيرة حمرت فيها الشعرية في سمنة بلدي لحد ما خدت لون دهبي مظبوط ونزلت عليها بالرز المصري وشربته من شوربة الفراخ الدسمة.
ريحة المطبخ بدأت تفوح، ريحة صواني البطاطس بالفراخ وهي بتدخل الفرن البلدي الصغير بتاع أم رضا. البطاطس كانت متقطعة شرايح متساوية، واخدة من الشوربة والصلصة والفلفل الأسود ورشة قرفة خفيفة مع فصوص التوم السليمة، والفرن شغال يدي وش تحمير للفراخ يخلي الجلد يقرمش ويدهب كأنه مشوي على الفحم.
أميمة كانت بتشتغل وعينيها مليانة تركيز، كل علبة بتعبيها كانت بتعاملها كأنها لوحة فنية في قاع العلبة الفويل تحط غرفتين كبار رز بشعرية مفلفل حبة وحبة، وعليهم قطعة بطاطس مسبكة دايبة دوب، وربع فرخة محمر ومستوي على الآخر، وفي علبة صغيرة مقفولة تحط شوية مخلل بلدي لفت وجزر