عزّة نفس في بلاد الغربة ج 1 حكـايات مني السيد حصري

والله دي غلبانة وعلى باب الله ومابتاخدش إلا يا دوبك تمن الطماطم والبصل.. دي بتساعد نفسها..
قاطعها بصوت عالي وهو بيخبط على الباب برجله اخرسي خالص! مش عايز أسمع ولا نفس.. هاتولي أميمة هنا حالاً!
في الوقت ده، كانت أميمة في المطبخ الداخلي بتشيل برميل مية ۏسخة بعد ما مسحت أرضية قسم اللحوم، وظهرها بيوجعها وهدومها مبلولة من المية والصابون. دخلت صابرين تجري وشها أصفر وقالتلها بصوت واطي ومړعوپ أميمة.. الحقي نفسك، المستر وائل شاف الأكل وهيولع فينا، وعايزك في الممر فوراً!
أميمة قلبها سقط في رجليها.. نشفت إيديها في المريلة البلاستيك اللي لابساها بسرعة، وخرجت وراها بخطوات تقيلة وهي حاسة إن في مصېبة هتحصل.
وصلت للممر، لقت كل العمال واقفين في الزوايا، البنات باصين في الأرض ودموعهم في عنيهم، والطباخين متفرجين من ورا باب المطبخ، ووائل واقف سادد الممر ومكتف إيديه وورقة بيضا مطبوعة في إيده التانية.
أميمة وقفت قدامه وصوتها بيتردد من الخۏف نعم يا أستاذ وائل.. في حاجة غلط في المسح؟
وائل قرب منها وبصلها بقرف من فوق لتحت، ورمى علبة الأكل اللي كان واخدها من أم رحاب على الأرض قدام رجليها، العلبة اتفتحت والرز والبطاطس اتبعتروا على البلاط النظيف اللي هي لسه ماسحاه بإيدها من ساعة زمن.
أميمة شهقت وعينيها وسعت من الصدمة، ووائل شاور بصابعه في وشها وهو بيهز راسه بغل هنا مش هسمح لوحدة بتاعت مسح ونضافة تنافس مطبخي وأكلي! مش هسمح لبت جاية من الغيط بريحة الطين تفتح دكانة في ملك غيرها وتاكل عقول العمال بأكل شحاتين!
وبحركة سريعة، مد الورقة في وشها وقال بقسۏة تقطع القلب دي استمارة إنهاء خدمتك من غير قرش مكافأة.. عشان تتعلمي الأدب ومتعمليش فيها ناصحة في أكل عيش غيرك. يلا، مش عايز أشوف وشك في المكان ده دقيقة واحدة تانية!
الدنيا كلها اسودت في عين أميمة، كانت عايزة تصرخ وتقوله إنها ما سرقتش، وإنها ما قصرتش في شغلها دقيقة واحدة، وإن البنات هما اللي اتحايلوا عليها، وإن الفلوس دي كانت هتشتري بيها ماكينة ري لأبوها العيان اللي ضهره مكسور في الغيط.. بس الكلمات وقفت في زورها زي الشوك. شافت في عينيه غل ملوش علاج وظلم ملوش مبرر.
بلعت ريقها المر، ومسحت دمعة هربت من عينيها بطرف طرحتها. وبكل عزة نفس بنت أصول ما ترضاش بالمهانة، مدت إيدها ومسكت القلم، ومضت على الورقة من سكات ومن غير ما تنطق حرف واحد.
لفت ضهرها ودخلت أوضة اللبس، قلعت المريلة المبلولة وعلقتها، ولمت هدوم الشغل وكيسها القديم، وفتحت شنطة إيدها.. جوا الشنطة، كان المنديل الأبيض بتاع أبوها لسه محفوظ، ومعاه الكيس القماش اللي حوشت فيه شوية الجنيهات بتاعة عرق الأيام اللي فاتت. مسكت المنديل وضمته بإيد بتترتعش، وخرجت من باب الطوارئ بتاع المطعم للشارع، والباب اتقفل وراها بصوت حديدي عالي رن في ودانها.
وقفت أميمة في شارع جامعة الدول، العربيات بتجري والدنيا منورة والمطاعم مليانة ناس بتضحك وبتاكل، وهي واقفة في الهوا الساقع، كيسها في إيدها ومفيش في جيبها تمن إيجار الشهر الجاي، ومكان شغلها ضاع، وماكينة أبوها لسه عطلانة تحت شمس الصيف.. مسكت تليفونها القديم المكسور من جيبها عشان ترن على سامح، لكن الشاشة ضلمت في إيدها فجأة لما البطارية فصلت خالص!
أميمة رفعت راسها للسما، وخدت نفس طويل والدموع مغرقة وشها، بس جوا عينيها كان في بريق غريب.. كأن النهاية دي مش نهاية طريق، دي مجرد بداية لحرب لازم تخوضها وتكسبها
مهما كان التمن.
الجزء الثاني حكايات مني السيد حصري
وقفت أميمة في وسط شارع جامعة الدول، ورجليها مش شايلاها، كأن الأسفلت تحتها بيميد. الهواء كان ساقع وبيلسع في وشها، ونور الإعلانات النيون الملونة على واجهات المحلات الكبيرة كان بيضرب في عينيها ويزغللها. العربيات الفارهة بتجري بسرعة، والناس بتضحك وخارجين من المطاعم والكافيهات شبعانين ومبسوطين، مفيش حد حاسس بالبنت اللي واقفة على الرصيف، حاضنة كيس بلاستيك قديم فيه هدوم الشغل المبلولة، وتليفونها في إيدها حتة حديدة صامتة وسودا بعد ما بطاريته ماټت.
حاولت تدوس على زرار الباور كذا مرة، يمكن ينطق، يمكن يفتح ثانية واحدة بس ترن رنة واحدة على سامح يجيلها، مفيش فايدة.. الشاشة سودا وضلمة زي بختها في اللحظة دي. مسحت وشها بكُم عبايتها، وافتكرت منظر الأكل وهو مدلوق على البلاط.. الرز الأبيض المفلفل وطشة الملوخية اللي عملتها بحب من صلب شقاها، متبعترة تحت جزمة وائل المدير. كل ما تفتكر ضحكته الصفرا وصوته وهو بيقول مش هسمح لبت جاية من الغيط بريحة الطين تنافس مطبخي، قلبها يتقبض من القهر، وعينها تغيم بالدموع.
يا

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *