عزّة نفس في بلاد الغربة ج 1 حكـايات مني السيد حصري
عاملينه في البيت، ومعاهم رغيف عيش بلدي طازة سامح نزل جابه من الفرن أول ما فتح الفجر.
على الساعة سبعة الصبح، كانت أميمة خلصت تقفيل 25 وجبة كاملة، متغلفة بالسلوفان ومحطوطة في كراتين نظيفة محكمة عشان تحتفظ بسخونتها، ومكتوب على كل علبة بخط إيد أميمة البسيط ألف هنا وشفا.. أكل بيتي مصري.
أميمة كانت مهدودة من التعب، عينيها حمرة من الدخان وقلة النوم، بس لما شافت الكراتين مرصوصة حسّت بفخر غريب مكنتش حاسة بيه وهي بتنضف في المطعم.
سامح جه الساعة سبعة وربع، شرب شاي مع أم رضا على السريع، وشال الكراتين حطها في كابينة العربية جنبه في مكان نظيف ودافي، وبص لأميمة وقالها بضحكة طالعة من القلب ادعيلي يا أميمة.. أنا طالع على موقع إنشاءات كبير في أكتوبر، في هناك مهندسين ومقاولين أعرفهم كويس، وربنا يجعله فاتحة خير.
أميمة وقفت في البلكونة تتابع عربيته وهي بتبعد في الشارع، وفضلت تدعي من كل قلبها ودموعها في عينيها يا رب.. استرها معاه واجبر بخاطرنا يا رب.
الساعات اللي بعد نزول سامح كانت أطول ساعات مرت في حياة أميمة. دخلت أخدت دش، ونضفت المطبخ ورجعته أحسن مما كان عشان تشكر أم رضا، وقعدت في الصالة مستنية، عينيها على الساعة الحايطة، كل دقيقة بتمر كأنها سنة. تليفونها اللي كان حاطاه على الشاحن رن فجأة الساعة اتناشر الظهر!
قلبها دق بسرعة لدرجة إنها حست إنه هيطلع من صدرها. مسكت التليفون وفتحت الخط وإيدها بترتعش ألو.. إيه يا سامح؟ طمني ونبي!
صوت سامح جه في التليفون بيضحك بأعلى صوته، ضحكة خلت روحها ترد مبروك يا ست الكل! قسماً بالله الوجبات خلصت في ربع ساعة! المهندسين والمشرفين والعمال اتخانقوا عليها، وأول ما فتحوا العلب وشموا ريحة البطاطس والرز، كان ناقص ياكلوا صوابعهم وراها! وفي مهندس مدني اسمه باشمهندس طارق، مسؤول عن قطاع كامل، طلب مني أرقامك وقالي بكرة عايز خمسين وجبة مخصوص لرجالته كلهم على حسابه عشان عنده تسليم صبة خرسانة!
أميمة مقدرتش تمسك نفسها، قعدت على الأرض وبكت، بس المرة دي كانت دموع فرح وراحة، دموع زوال الکابوس.
سامح رجع الساعة اتنين ومعاه تمن الوجبات كلها بالمليم، مكسب صافي خلاها ترجع ألف جنيه سلفة سامح، ويفضل معاها مبلغ يعيشها ويخليها تشتري بضاعة تكفي خمسين وجبة لليوم التاني!
وهكذا، بدأت العجلة تدور..
يوم ورا يوم، الشغل كبر بسرعة الصاروخ. أميمة كانت بتنام تلات ساعات بس في اليوم، ومطبخ أم رضا مبقاش مكفي، فاضطروا يشتروا بوتاجاز تاني مستعمل وحطوه في البلكونة الكبيرة عشان يسعفهم، وسامح مبقاش ملاحق يوصل، فبقى معاه صاحبه بعربيته التانية ينقل معاه الوجبات للمصانع والشركات اللي سمعت عن أكل أميمة البيتي وبقوا يحجزوا باليومين مقدماً.
بعد أسبوعين اتنين بس من يوم طردها من المطعم، كان مع أميمة في الكيس القماش مبلغ مكنتش تحلم بيه.. جمعت تمن ماكينة الري وزيادة!
في ليلة جمعة، أميمة قالت لسامح وأم رضا أنا لازم أنزل البلد بكرة الصبح، أشتري الماكينة بنفسي وأوصلها لأبويا وأفرح قلبه، وأرجع على طول عشان منوقفش الشغل.
سامح قالها أنا مسافر معاكي بالعربية، منها نوصل الماكينة لحد الغيط، ومنها تشوفي أهلك وماتتأخريش في المواصلات.
الفجر، ركبت أميمة جنب سامح في العربية النص نقل، وحاطين ورا ماكينة ري إيطالي جديدة بالكرتونة بتاعتها، ماكينة ممتازة أبوها كان بيحلم بربعها. الطريق الزراعي كان الصبح بدري مليان ندى، وأميمة كانت باصة من الشباك وهي حاسة إنها طايرة، مش مصدقة إن ربنا كرمها بالشكل ده