مراتي التانيه

جريت على أوضة الولاد، لقيت هدومهم متجمعة في شنط، وكل واحد فيهم قاعد ساكت، ولما سألت ابني الكبير: ـ إيه اللي بيحصل هنا؟ مامتك فين؟ بصلي بحزن وقال: ـ ماما مشيت يا بابا. حسيت إن قلبي وقع في رجلي، وسألته بعصبية: ـ مشيت راحت فين؟

وإزاي تسيب البيت من غير ما تقولي؟ ابني مد إيده وناولني جواب كان محطوط على السر,,ـــــير، وقال: ـ قالتلي أديهولك أول ما تيجي. فتحت الجواب وإيدي بتترعش، ولقيت خط فاتن اللي أعرفه كويس، لكن الكلام اللي مكتوب جواه كان كأنه طالع من واحدة تانية، واحدة استحملت كتير لحد ما خلاص مبقاش عندها حاجة تستحملها عشاني.

“محمود، أنا مشيت، ومش عايزاك تدور عليا، ولا تحاول ترجعني بكلمتين حلوين زي كل مرة. أنا وافقت أستقبل أم غزل، وكنت عارفة إن ده مش واجبي، لكن قولت أعمل اللي يرضي ربنا، وأساعد ست مريضة مالهاش ذنب في مشاكلنا.

عملت لها كل اللي أقدر عليه، واعتبرتها زي أمي، ومش ندمانة على ده، لكن اكتشفت إن المشكلة عمرها ما كانت في أم غزل، المشكلة فيك إنت. إنت مش شايف غير غزل واحتياجاتها، ومش شايف إن ليك بيت تاني، وولاد مستنيين منك تسأل عليهم، ومرات عاشت سنين بتحاول تعوضهم عن غيابك، لحد ما نسيت إنها هي كمان من حقها تلاقي حد يسأل عليها ويشيل عنها.

إنت كل مرة بتحطني قدام الأمر الواقع، وتستنى مني أوافق، لأنك متأكد إني عمري ما هخذل ولادك، وكنت بتستغل حبي ليهم علشان تريح نفسك من مسؤولياتك. علشان كده، أنا جمعتلك كل حاجة هتحتاجها علشان تعرف تخدم أم غزل بنفسك.

مواعيد دواها مكتوبة جنب سر,,ـــــيرها، وطريقة أكلها وكل احتياجاتها هتلاقيها في الورقة اللي جنب الأدوية، وهدومها نضيفة ومحطوطة في الدولاب، وكل حاجة تخصها جاهزة. وفوقيهم ولادك يا محمود. دول محتاجين حد يصحّيهم للمدرسة، ويجهزلهم الفطار، ويتابع مذاكرتهم، ويسألهم يومهم كان عامل إزاي، ويحــ,,ـــــضنهم لما يزعلوا.

دول مش محتاجين فلوس وبس، دول محتاجين أب، وأنا مش هقدر أفضل أعوضهم عنك طول العمر. أنا مشيت علشان تعبت من إني أكون الزوجة اللي بتشيل كل حاجة، وتتنازل عن كل حاجة، وفي الآخر محدش بيفتكر إنها بني آدمة وليها طاقة وليها قلب.

من النهارده، شيل مسؤوليتك بنفسك، واعرف إن الست اللي كنت ضامن إنها هتفضل مستحملاك مهما عملت، وصلت لمرحلة إنها اختارت نفسها. فاتن.” خلصت قراءة الجواب، وفضلت واقف مكاني مش قادر أستوعب. بصيت حواليا، على البيت اللي كان دايمًا مرتب، وعلى شنط الولاد، وعلى أوضة حماتي اللي محتاجة رعاية، وحسيت لأول مرة إن كل حاجة كنت برميها على فاتن رجعت فوق دماغي مرة واحدة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *