مراتي التانيه

بصيت على أوضة الولاد، ولقيتهم واقفين عند الباب، بيتابعوا اللي حصل، وابني الكبير سألني: ـ هي غزل مشيت ليه يا بابا؟ ماكنتش عارف أقول إيه، فدخلت أوضتي وقفلت الباب، وفضلت قاعد على السر,,ـــــير، حاطط إيدي على راسي.

كان نفسي أتصل بفاتن وأقولها ترجع، وأوعدها إني هتغير، لكن كنت عارف إنها المرة دي مش هتصدقني بسهولة. وكان نفسي أتصل بغزل وأرجعها، لكن هي كمان مشيت، ومش عارف حتى راحت فين. وفي وسط كل ده، سمعت صوت ابني الصغير بيعيط بره، وبيقول لأخوه: ـ أنا عايز ماما فاتن، أنا عايزها تيجي تنام جنبي زي كل يوم.

حسيت إن قلبي بيتقطع، لكن ما خرجتش لهم. فضلت مكاني، أتجاهل رنات تليفوني، وأتجاهل رسائل غزل، وأتجاهل حتى عياط الولاد، مش علشان مش فارقين معايا، لكن علشان كنت عاجز أواجههم، وعاجز أعترف لنفسي إني وصلت للمرحلة دي بإيدي.

عدى اليوم، وبعده يوم تاني، وأنا لا عارف أشد حالي وأروح أدور على فاتن، ولا عارف أروح لغزل وأطلب منها ترجع. كل واحدة فيهم كانت مستنية مني موقف، وأنا لأول مرة أكتشف إن السكوت مش هيحل حاجة، وإن الهروب اللي كنت فاكره أسهل حل، بقى هو السبب في كل اللي أنا فيه.

وبالليل، لما دخلت أطمن على الولاد، لقيت ابني الكبير نايم جنب أخوه، وحاضنه، وعلى المخدة جنبهم صورة صغيرة فاتن. مسكت الصورة، وفضلت أبص فيها، وافتكرت كل مرة كانت بتطلب مني أقعد مع الولاد شوية، وكل مرة كنت أتحجج بالشغل أو بمصاريف غزل، وأقول لنفسي إنهم لسه صغيرين ومش هيفهموا.

لكنهم فهموا يا محمود… فهموا إن أبوهم موجود في البيت بجسمه، لكن قلبه ومسؤوليته في مكان تاني. وساعتها بس، بدأت أفهم إن المشكلة ماكنتش في فاتن اللي مشيت، ولا في غزل اللي رفضت تفضل، ولا حتى في أم غزل اللي محتاجة رعاية.

المشكلة كانت فيّ أنا، وفي إني كنت عايز أرضي الكل من غير ما أتحمل مسؤولية حد، لحد ما خسرت راحة البيت، وبدأت أخسر الناس اللي كنت فاكر إنهم عمرهم ما هيمشوا.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

عدى أسبوع كامل وأنا عايش في جحيم، البيت اللي كنت فاكره هيستحمل غياب فاتن كام يوم، اكتشفت إنه من غيرها مابقاش بيت أصلًا. الولاد بقوا طول الوقت ساكتين، وكل واحد فيهم بيحاول يتصرف على قد سنه، وأنا بقيت بصحى الصبح مش عارف أبدأ منين ولا أخلص إيه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *