الست اللي كانت بضحك للناس

لكنه لم يفتحها. نظر إلى فاطمة، ورأى في عينيها خوفًا لم يره من قبل.
قال بهدوء
يا بنتي، مهما كانت الحقيقة، ما ينفعش تفضلي شايلة كل ده لوحدك.
ردت وهي تمسح دموعها بطرف طرحتها
أنا مش خاېفة على نفسي يا عم جابر. أنا خاېفة إن سلمى تعرف الحقيقة كلها، وتكتشف إن أمها كانت مظلومة أكتر مما هي فاكرة.
وفي اللحظة نفسها، توقفت سيارة سوداء عند مدخل السوق مرة تانية.
نزل منها أحد رجال نادر، وأشار إلى فرشة فاطمة.
هي دي؟
رد شخص كان واقف بجواره
أيوه، هي فاطمة.
اقترب الرجل، ووضع ظرفًا أبيض فوق صندوق الخضار.
الأستاذ نادر بيقول لك دي آخر فرصة. بكرة الصبح الفرشة دي تكون اتشالت.
ثم نظر إلى الورقة التي كان عم جابر يمسكها، وأضاف بابتسامة باردة
وخلي بالك يا ست فاطمة، مش كل الأسرار ينفع تفضل مدفونة.
استدار الرجل ومشي.
فاطمة ظلت واقفة مكانها، بين الورقة التي تركتها سلمى والظرف الذي أرسله نادر.
سر قديم عاد من الماضي، وټهديد جديد يطاردها في الحاضر، وابنة امرأة ماټت وهي تحمل وجعًا لم يُكشف بعد.
وفي آخر السوق، كانت سلمى واقفة خلف عمود قديم، تراقب المشهد كله.
أخرجت هاتفها، واتصلت برقم محفوظ باسم واحد فقط الشاهد.
ولما رد عليها، قالت بصوت مرتجف
أنا شفتها. فاطمة لسه هنا، ونادر بدأ يتحرك. لازم نخلص الموضوع قبل ما يختفي الدليل.
جاءها الصوت من الطرف الآخر
إنتِ متأكدة إنك مستعدة تعرفي الحقيقة يا سلمى؟
أغمضت عينيها، وردت
أنا استنيت سنين عشان أعرف أمي ماټت ليه. حتى لو الحقيقة هتوجعني، أنا مش هرجع.
أنهت المكالمة، ورفعت عينيها ناحية فرشة فاطمة.
كانت فاطمة قد بدأت تجمع الخضار في الصناديق، ووجهها خالٍ من الضحكة التي عرفها السوق كله.
وفي تلك الليلة، ولأول مرة منذ سنوات، أغلقت فاطمة فرشتها قبل موعدها، ولم تودع أحدًا بابتسامتها المعتادة.
اختفت من السوق قبل شروق الشمس.
ولما وصل عم جابر في الصباح، وجد الكرسي الأحمر مقلوبًا، وصندوق الخشب مفتوحًا، والخضار متناثرًا على الأرض، كأن معركة وقعت في المكان.
أما فاطمة، فلم يكن لها أثر.
وفوق الكرسي المكسور، وجد عم جابر دفترًا صغيرًا بغلاف بني، مكتوبًا على صفحته الأولى بخط فاطمة المرتجف
ديون الناس عندي مش فلوس وبس… دي حكايات ووعود وأمانات. واللي يفتح الدفتر ده، لازم يكون مستعد يعرف الحقيقة.
فتح عم جابر الدفتر، وقلب الصفحة الأولى.
كان أول اسم مكتوب فيه أم سلمى.
وتحته جملة واحدة جعلت الډم يتجمد في عروقه
أنا وعدتها أحمي بنتها، لكني فشلت… ونادر هو اللي بدأ الحكاية كلها.
رفع عم جابر رأسه ناحية الشارع الخالي، وهمس
يا ساتر يا رب… إنتِ كنتِ شايلة إيه لوحدك يا فاطمة؟
وفي اللحظة نفسها، رن هاتفه برسالة من رقم مجهول
لو عايز فاطمة ترجع، ما تسلّمش الدفتر لسلمى… ولا لنادر.
يتبع في الفصل الثاني…
الست اللي كانت بتضحك للناس
الفصل الثاني الدفتر اللي قلب السوق على بعضه
بقلم حروف تنبض
عم جابر فضل واقف قدام الصندوق الخشب، ماسك الدفتر البني بإيد بترتعش، وعينيه بتتنقل بين الاسم المكتوب في أول صفحة والرسالة اللي وصلته من الرقم المجهول. السوق اللي عاش فيه عمره كله كان لسه نايم، لكن جواه هو كان فيه دوشة أكبر من دوشة ألف بائع وقت الزحمة.
أم سلمى… أنا وعدتها أحمي بنتها، لكني فشلت… ونادر هو اللي بدأ الحكاية كلها.
الكلمات دي فضلت تتردد في دماغه، وكل ما حاول يقفل الدفتر، يحس إن إيده مش طاوعاه. كان عارف
فاطمة من أكتر من عشرين سنة. شافها وهي بتضحك للغريب قبل القريب، وتدي المحتاج من غير ما تسأله هيرجع الفلوس إمتى، وتسيب آخر حزمة خضار لست عجوزة ما معاهاش تمنها. لكنه عمره ما تخيل إن الست اللي كانت بتعرف حكايات السوق كلها، كانت مخبية حكاية ممكن تقلب حياة ناس كتير.
حط الدفتر جوه جلابيته، ولف بصره حوالين المكان. الصندوق كان مفتوح، وطبق الطماطم مقلوب، وآثار جر رجل باينة على التراب الناعم جنب الحيطة الخلفية. قرب منها وانحنى، لقى طرف قطعة قماش زرقا متعلق بمسمار بارز في الخشب.
شد القماشة برفق، وبص لها طويلًا.
كانت من نفس لون الطرحة اللي فاطمة لبستها آخر مرة شافها فيها.
همس لنفسه
يا ساتر يا رب… إنتِ روحتي فين يا فاطمة؟
قبل ما يكمل كلامه، سمع صوت خطوات جاية من آخر الممر. خبّى القماشة والدفتر بسرعة، ووقف كأنه بيجمع الخضار المبعثر.
ظهر عم ربيع، بائع السمك اللي دكانه على الناصية، وهو بيجر رجليه وبيفرك عينيه.
صباح الخير يا جابر… إيه اللي حصل هنا؟ هو السوق دخل في خناقة وإحنا نايمين؟
رد جابر وهو بيحاول يبان طبيعي
ولا حاجة، شكل قطة دخلت لعبت في الخضار.
بص له ربيع بشك.
قطة؟! دي القطة دي لو شالت كل الطماطم اللي على الأرض، كانت احتاجت عربية نقل!
وبعدين قرب منه وخفض صوته
إنت شفت فاطمة؟
سكت جابر لحظة، وبعدين قال
لا… ليه؟
عشان أنا سمعت صوت عربية بعد نص الليل، عربية سودة وقفت عند المدخل الخلفي للسوق. نزل منها اتنين، وبعد شوية العربية مشيت بسرعة. قلت يمكن حد من بتوع نادر جايين يهددوا الناس تاني.
حس جابر إن قلبه نزل لرجليه.
إنت متأكد إنهم كانوا اتنين؟
أيوه يا أخويا، أنا صاحي نص الليل من ۏجع رجلي، وشفت بعيني. واحد منهم كان طويل ولابس جاكيت غامق، والتاني كان أقصر منه، وكانوا بيتكلموا بعصبية. بس ما شفتش وشوشهم.
بلع جابر ريقه، وسأله
والعربية كان فيها حد؟
ما أعرفش. بس وأنا ببص من الشباك، سمعت واحد بيقول للتاني الدفتر لازم يرجع قبل الصبح.
في اللحظة دي، جابر حس إن الأرض بتتحرك تحته.
الدفتر.
إذًا مش مجرد اختفاء، ومش خناقة عابرة. فيه حد عارف إن فاطمة عندها دفتر، وحد مستعد يعمل أي حاجة علشان يوصل له.
قال ربيع
مالك يا جابر؟ وشك اصفر ليه؟
جابر حاول يبتسم
مفيش… بس قلبي مش مطمن على الست الغلبانة دي.
رد ربيع بحزن
فاطمة مش غلبانة يا جابر. دي ست شايلة هم السوق كله، بس عمرها ما قالت لحد هي شايلة إيه جواها.
وساب جابر ومشي ناحية دكانه، بينما جابر فضل مكانه، حاسس إن كل ثانية بتعدي ممكن تكون بتبعد فاطمة عن الرجوع.
على الناحية التانية من المدينة، كانت سلمى قاعدة في أوضة صغيرة فوق سطح بيت قديم، بتبص من الشباك على الشارع اللي بدأ يصحى. ما نامتش طول الليل. كل ما تغمض عينيها، تشوف وش فاطمة قدامها، بنفس الابتسامة اللي كانت بتستفزها من أول يوم دخلت فيه السوق.
سلمى ما كانتش جاية السوق علشان تشتري خضار، ولا علشان تدور على شغل. كانت جاية تدور على إجابة لسؤال عاشت بيه سنين طويلة
مين السبب في مۏت أمها؟
أمها، سعاد، ماټت من حوالي سبع سنين، بعد فترة طويلة من المړض والفقر والۏجع. وقبل مۏتها بأيام، كانت بتكرر جملة واحدة، كل ما يشتد عليها التعب
لو قابلتي فاطمة… قولي لها إني سامحتها، بس خليها تقول لك الحقيقة.
وقتها سلمى ما فهمتش. كانت أمها بتتكلم بصعوبة، وصوتها بيضيع بين السعال والأنفاس المتقطعة. حاولت تسألها حقيقة إيه يا أمي؟
لكن سعاد كانت بتبص للسقف وتسكت.
وبعد ۏفاتها، اختفت ورقة قديمة كانت أمها محتفظة بيها في صندوق صغير، ومعاها صورة لست شابة واقفة جنب عربية خضار.
بعد سنين، شافت سلمى الصورة نفسها معلقة على الحيطة الخلفية لدكان فاطمة، وعرفت إن الست اللي أمها ذكرتها مش مجرد بائعة خضار.
من يومها، بدأت تراقب فاطمة.
كانت مستنية منها اعترافًا، أو حتى كلمة تشرح اللي حصل. لكن فاطمة كانت كل ما تشوفها، تبتسم وتسألها
أكلتي يا بنتي؟ شكلك تعبانة.
الكلمة كانت بتستفز سلمى أكتر من أي إهانة.
إزاي تسألها إذا كانت أكلت، وهي شايلة سر مۏت أمها؟
وفي الليلة اللي فاتت، لما واجهتها، كانت ناوية تسمع الحقيقة مهما كان ثمنها.
قالت لها بصوت مرتعش
إنتِ تعرفي أمي منين؟
فاطمة وقتها سكتت، والضحكة اختفت من وشها لأول مرة.
أمك كانت أغلى عندي من نفسي يا سلمى.
كدابة! لو كانت غالية عندك، كنتِ سيبتيها ټموت لوحدها؟
فاطمة مدت إيدها كأنها عايزة تلمس كتفها، لكن سلمى رجعت لورا.
ما تلمسينيش!
وقبل ما تمشي، سمعت فاطمة بتقول
لو عايزة تعرفي الحقيقة، لازم تعرفي إن أمك ما كانتش ضحېة الفقر بس… كانت ضحېة ناس وثقت فيهم.
لكن سلمى خرجت قبل ما تسمع الباقي.
والنهارده، بعد اختفاء فاطمة، لأول مرة حست إن ڠضبها ممكن يكون أخطر من جهلها.
مسكت تليفونها واتصلت برقم فاطمة. الرنين استمر، ثم انقطع. كررت الاتصال ثلاث مرات، وفي الرابعة سمعت صوتًا غريبًا بدل نغمة الانتظار.
صوت رجل قال
لو بتدوري على فاطمة، بطلي تدوري.
اتجمدت سلمى.
إنت مين؟
واحد بينصحك لمصلحتك.
فاطمة فين؟
السؤال ده لو فضلتي تسأليه، هتخسري أكتر مما خسرته أمك.
وقبل ما تلحق ترد، الخط اتقفل.
فضلت باصة للتليفون، وبعدها نزلت تجري على السلم، وهي مش عارفة رايحة فين. كل اللي كانت عارفاه إنها لازم ترجع للسوق، حتى لو كل اللي فيه كرهها أو خاف منها.
لما وصلت سلمى، كان السوق بدأ يمتلئ بالناس، لكن الجو كان غريبًا. الكلام منخفض، والعيون بتراقب بعضها، وكل ما حد يشوفها، يهمس للي جنبه.
دخلت من المدخل الرئيسي، واتجهت مباشرة ناحية دكان فاطمة.
لقت عم جابر واقف بيجمع الخضار في صناديق بلاستيك، ووشه مشدود.
عم جابر، فاطمة فين؟
رفع عينيه لها، وسكت.
أنا بسألك!
قال بهدوء
مش موجودة يا بنتي.
يعني إيه مش موجودة؟ هي عمرها ما سابت السوق من غير ما تقول لحد!
عشان كده إحنا قلقانين عليها.
قربت منه، وعيونها بتدور في المكان.
حصل لها حاجة؟
جابر تردد. كان عايز يقول لها كل حاجة، يطلع الدفتر من جلابيته ويديها إياه، يمكن تكون هي مفتاح اللغز. لكن الرسالة المجهولة رجعت ترن في ودنه ما تسلّمش الدفتر لسلمى… ولا لنادر.
بص لها وقال
إنتِ آخر واحدة شافتها إمتى؟
اتغير وش سلمى.
امبارح. واتخانقت معاها.
اټخانقتوا على إيه؟
على أمي.
جابر نزل عينيه للأرض.
وإيه اللي قالت لك؟
قالت إنها كانت أغلى عندها من نفسها، وإن أمي كانت ضحېة ناس وثقت فيهم.
رفع جابر رأسه بسرعة.
قالت لك كده بالحرف؟
أيوه. إنت تعرف حاجة؟
قبل ما يرد، دوّى صوت عربية كبيرة في أول السوق، وبعدها نزل منها ثلاثة رجال لابسين بدل غامقة. كانوا شايلين ملفات، ومعاهم شخص طويل ببدلة رمادية، وشعره مصفف بعناية، وابتسامة باردة مرسومة على وشه.
كان نادر.
رجل الأعمال اللي بقاله شهور بيحاول يشتري السوق كله، واللي عرض على التجار مبالغ كبيرة علشان يسيبوا محلاتهم، ولما رفضوا، بدأ يبعث لهم إنذارات وإشعارات إخلاء.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *