الست اللي كانت بضحك للناس

وبكت.
سلمى احتضنتها.
في اللحظة دي، لم يكن العناق إعلانًا عن انتهاء كل شيء، بل كان بداية صعبة بين امرأتين جمعت بينهما أم ماټت وهي تحمل سرًا، وأب اختفى تاركًا وراءه أسئلة، وحقيقة تأخرت حتى كادت تدمر ما تبقى من حياتهما.
بعد شهرين، تلقت سلمى اتصالًا من المحامي الذي يتابع قضية السوق.
قال لها إن بعض المستندات التي عُثر عليها في ملف قديم تطابقت مع الأوراق التي احتفظت بها فاطمة. كما ظهرت سجلات تشير إلى أن والدها نُقل إلى مستشفى خارج المحافظة في الليلة التالية للحاډث، تحت اسم غير حقيقي.
سلمى أمسكت بالهاتف بقوة.
يعني هو كان عايش فعلًا؟
أجاب المحامي
السجلات تشير إلى ذلك، لكننا لم نعثر بعد على ما يثبت أين ذهب بعد خروجه من المستشفى. سنواصل البحث، لكن يجب ألا نستبق النتائج.
أغلقت سلمى الهاتف، وخرجت مسرعة إلى السوق.
وجدت فاطمة جالسة على كرسيها الأحمر، ترتب الخضار. عم جابر كان بجوارها، وحازم يحمل صندوقًا جديدًا.
قالت سلمى وهي تلهث
لقوا سجل المستشفى! أبويا كان عايش بعد الحاډث!
سقطت حزمة البقدونس من يد فاطمة.
يا رب…
جلست سلمى بجوارها، وبدأت تحكي لها ما قاله المحامي. لم يكن لديهم عنوان، ولا صورة حديثة، ولا دليل يحدد مكانه الحالي. لكن للمرة الأولى، لم يعد الأمل مجرد كلام سمعته من رجل مجهول.
صار هناك أثر حقيقي.
في الأيام التالية، بدأ المحامي يتابع سجلات المستشفى القديمة، وساعدت الشرطة في مراجعة الأسماء الواردة في الملفات. لم تكن النتائج سريعة، ولم يصلهم خبر حاسم. ومع ذلك، قررت سلمى ألا توقف حياتها في انتظار رجل قد يعود وقد لا يعود.
رجعت إلى عملها، وبدأت تساعد تجار السوق في ترتيب أوراق الملكية، وخصصت وقتًا للذهاب مع عم جابر إلى المحامي. أما حازم، فبدأ يتعلم الحساب وإدارة المخازن، بعدما أقنعه جابر أن مستقبله لا ينبغي أن يظل معلقًا بحمل الصناديق وحده.
وفاطمة؟
فاطمة بدأت تتغير.
لم تعد تقول لكل شخص إنها بخير وهي ليست كذلك. لو حزنت، قالت إنها حزينة. ولو أخطأت، اعتذرت. ولو عجزت عن مساعدة أحد، لم تعد تعده بما لا تستطيع الوفاء به.
كانت تتعلم، متأخرة، أن الطيبة ليست أن يحمل الإنسان كل الأوجاع وحده، وأن جبر الخواطر لا يعني إخفاء الحقيقة عن الناس بحجة حمايتهم.
وفي إحدى الأمسيات، بينما كان السوق يهدأ بعد يوم طويل، جاءت امرأة عجوز إلى دكان فاطمة. كانت ترتدي عباءة سوداء، وتستند إلى عصا، وفي يدها كيس صغير.
وقفت أمامها وقالت
إنتِ فاطمة؟
رفعت فاطمة رأسها.
أيوه يا حاجة. اتفضلي.
جلست المرأة على الكرسي المقابل، وأخرجت من الكيس ورقة قديمة.
أنا أم منصور. مش عارفة إذا كنتِ فاكراني ولا لأ.
فاطمة اتسعت عيناها.
أم منصور! طبعًا فاكراكي. إنتِ كنتِ بتشتغلي في مخزن التعبئة.
العجوز أومأت.
من سنين، إنتِ وقفتي جنبي لما اتهموني إني سړقت فلوس المخزن. إنتِ اللي جبتي الإيصالات، وفضلتي تدوري لحد ما أثبتِّ إنهم كانوا بيخصموا من مرتبي من غير حق. أنا عمري ما نسيت لك الجميل ده.
فاطمة نزلت عينيها.
ده كان حقك يا حاجة.
العجوز ابتسمت.
يمكن. بس مش كل الناس بتقف جنب غيرها وقت الظلم. أنا سمعت اللي حصل، وعرفت إنك مريتي بأيام صعبة. جبت لك حاجة بسيطة.
مدت لها كيسًا صغيرًا فيه بعض الفاكهة.
فاطمة حاولت ترفض.
يا حاجة، إنتِ أولى بيها.
لكن المرأة وضعت الكيس أمامها.
أنا مش جاية أرد جميل، ولا أشتري سكوتك. أنا جاية أقول لك إن الخير اللي عملتيه زمان ما ضاعش، حتى لو غلطتي بعد كده. الإنسان مش صفحة واحدة في دفتر، يا بنتي. بس لازم يكون عنده شجاعة يواجه الصفحات اللي سوّدها.
سكتت فاطمة، ثم أخذت يد العجوز وقبلتها.
ولما مشت أم منصور، كانت سلمى واقفة على بعد خطوات، سمعت آخر جملة.
اقتربت من فاطمة، وقالت
يمكن دي أول مرة حد يقول لك كلامًا يريحك من غير ما يطلب منك تنسي اللي حصل.
فاطمة ابتسمت بحزن.
يمكن علشان أنا طول عمري كنت فاكرة إن الطيبة معناها إني أشيل عن الناس كل حاجة، حتى لو اضطرّيت أخبي الحقيقة.
سلمى جلست بجوارها.
الطيبة مش إننا نمنع الناس من الألم بأي ثمن. ساعات الطيبة إننا نقف جنبهم وهما بيواجهوا الحقيقة، حتى لو كانت صعبة.
فاطمة نظرت إليها طويلًا، ثم قالت
أمك كانت هتبقى فخورة بيكي.
سلمى ابتسمت، ورفعت عينيها إلى السماء التي بدأت تتلون بلون الغروب.
نفسي أسمعها بتقول لي كده مرة واحدة.
فاطمة لم تجد كلامًا تواسيها به. مدت يدها فقط، واحتضنت يد سلمى بين كفيها.
وأحيانًا، كانت اليد الصادقة أبلغ من ألف كلمة.
مرّت ستة أشهر.
قضية السوق لم تنتهِ بالكامل، لكن التحقيقات كشفت مخالفات كثيرة، وتوقفت محاولات الإخلاء مؤقتًا لحين الفصل في النزاعات. بعض أصحاب المحلات حصلوا على مستندات جديدة تدعم حقوقهم، وآخرون بدأوا إجراءات قانونية لاسترداد ما ضاع منهم.
أما نادر، فظل يواجه التحقيقات في القضايا المرتبطة به، ولم يعد قادرًا على دخول السوق كما كان يفعل، يوزع وعودًا على الناس ويهددهم خلف الأبواب المغلقة.
وفي صباح يوم جمعة، استيقظت سلمى على صوت هاتفها.
كان المحامي.
قال لها
عندي خبر بخصوص والدك. ظهر اسم مرتبط بسجل قديم في مدينة ساحلية، وهناك شخص تنطبق عليه بعض التفاصيل. لا أقدر أؤكد لك أنه والدك، لكننا نحتاج أن تذهبي للتعرف عليه إذا وافق على مقابلتك.
سلمى لم تستطع الرد لثوانٍ.
هو… عايش؟
لا أستطيع الجزم قبل التحقق. لكن هناك احتمالًا حقيقيًا يستحق المتابعة.
أغلقت الهاتف، وجلست على السرير، واضعة يدها على قلبها.
لم تصرخ، ولم تبكِ كما تخيلت أنها ستفعل لو سمعت يومًا أن أباها قد يكون حيًا. شعرت پخوف عميق؛ خوف من أن يكون الرجل غريبًا عنها، أو أن يرفض رؤيتها، أو أن تكتشف أن الحقيقة مختلفة تمامًا عما تمنته.
ذهبت إلى السوق، وأخبرت فاطمة وعم جابر.
فاطمة لم تقل لها إنها ستجده، ولم تعدها بنهاية سعيدة. احتضنتها وقالت
روحي، واسأليه كل اللي قلبك عايز يسأله. بس افتكري إنك مش مطالبة تسامحيه من أول لحظة، ولا مطالبة تحكمي عليه قبل ما تسمعيه. اسمعي الحقيقة، وبعدها قرري.
سلمى أومأت.
وفي اليوم التالي، سافرت مع المحامي إلى المدينة الساحلية.
كان المكان دار رعاية صغيرة، فيها رجال كبار في السن، بعضهم فقد أسرته، وبعضهم اختار العزلة بعد سنوات طويلة من الحياة. استقبلتهم مشرفة الدار، وطلبت منهم الانتظار في حديقة داخلية.
بعد دقائق، خرج رجل نحيل، شعره أبيض، ويمشي ببطء مستندًا إلى عصا.
كان وجهه متعبًا، وعيناه غائرتين، لكن في ملامحه شيئًا جعل سلمى تشعر بأن قلبها يعرفه قبل عقلها.
توقف الرجل على بعد خطوات منها.
ظل ينظر إليها طويلًا، ثم قال بصوت ضعيف
سعاد؟
سلمى وضعت يدها على فمها.
لأ… أنا سلمى.
ارتجفت يد الرجل، وسقطت العصا من بين أصابعه.
سلمى؟
كانت الكلمة تخرج من فمه كأنها اسم لم ينطقه منذ عمر كامل.
اقتربت منه ببطء، ودموعها تملأ عينيها.
إنت بابا؟
لم يستطع الإجابة. مد يده نحو وجهها، لكنه توقف قبل أن يلمسها، كأنه يخشى أن تختفي إذا اقترب أكثر.
ثم انهار على الكرسي، وغطى وجهه بيديه، وبكى.
يا بنتي… يا حبيبتي… أنا كنت فاكر إني مش هشوفك تاني.
سلمى لم تعرف ماذا تفعل. كانت تتخيل هذا اللقاء منذ طفولتها، لكنها لم تتخيل أن تجد أباها رجلًا عجوزًا مكسورًا، ولا أن تسمع صوته وهو يناديها بهذا الحنان.
جلست أمامه.
ليه يا بابا؟ ليه سبتنا؟ ليه خلّيتنا نصدق إنك مت؟
الرجل رفع رأسه، وكانت دموعه تنزل على لحيته البيضاء.
أنا ما سبتكوش بإرادتي يا سلمى. بعد الحاډث، صحيت في مكان غريب. كنت مصابًا، وما كنتش قادر أتحرك. لما قدرت أقف على رجلي، عرفت إن نادر بيدور عليّ، وإنه هدّد أمك بيكي. كنت فاكر إن اختفائي هو الطريقة الوحيدة لحمايتكم.
وبعد ما بقيت كويس، ليه ما رجعتش؟
أغمض عينيه.
حاولت. لكني اكتشفت إنهم نشروا خبر مۏتي، وإن أي ظهور ليا ممكن يعرّضكم للخطړ. كنت فاكر إن عندي فرصة أجمع الأدلة وأرجع. لكنهم سرقوا أوراقي، وفضلت أتنقل من مكان لمكان، وكل مرة أقول لنفسي إن بكرة هقدر أرجع، كانت الدنيا بتضيق أكتر.
سلمى كانت تستمع، لكن الألم لم يختفِ.
وأمي؟ كنت بتعرف أخبارها؟
انخفض رأسه.
عرفت إنها ماټت بعد سنين. جالي الخبر متأخر. يومها حسيت إن كل اللي كنت بحاول أعمله ما بقاش له معنى.
سلمى أجهشت بالبكاء.
أمي ماټت وهي مستنياك. وأنا كبرت من غيرك. كنت كل ما أشوف أب بيجيب بنته من المدرسة، أتمنى لو عندي أب. كنت بروح المقاپر وأقف قدام قبر فاضي، وأنا مش عارفة إنك ممكن تكون عايش في مكان تاني.
الرجل مد يده، ثم سحبها مرة أخرى.
أنا ما أستحقش إنك تسامحيني بسهولة يا بنتي. أنا عارف إني ضيعت من عمرك سنين ما تتعوضش. ومش هطلب منك تنسي. كل اللي أقدر أقوله إني كنت خاېف، وإن خۏفي خلاني أختار أسوأ قرار.
سلمى نظرت إليه طويلًا.
كان أمامها رجل لم يعد كما تخيلته. لم يكن بطلًا عاد منتصرًا، ولا أبًا قادرًا على تعويض كل ما فات. كان إنسانًا أخطأ، وخاف، وهرب، ودفع ثمنًا قاسيًا، لكنه ترك زوجته وابنته تدفعان ثمنًا آخر لم تختاراه.
قالت أخيرًا
أنا مش عارفة إذا كنت هقدر أسامحك دلوقتي. يمكن أحتاج وقتًا طويلًا. بس أنا مش جاية علشان أحاكمك بس. أنا جاية علشان أعرفك، وأعرف الحقيقة منك، مش من أوراق قديمة ولا من ناس بتخبي عني.
أجهش الرجل بالبكاء.
هذه المرة، مدت سلمى يدها وأمسكت يده.
لم تكن قد سامحته على كل شيء، ولم تكن قد نسيت أمها، لكنها قررت أن تترك بابًا صغيرًا مفتوحًا، لا من أجل الماضي، بل من أجل فرصة لم تكن تتخيل أنها ستأتي.
بعد عودة سلمى، لم تحكِ لكل الناس تفاصيل اللقاء. احتاجت إلى وقت حتى تستوعب أن أباها حي، وأن سنوات الغياب لن تختفي بمجرد أن رأته.
بدأت تزوره كل أسبوع، وأحيانًا كانت تأخذ معها صورًا قديمة لأمها. كان يتحدث عن سعاد طويلًا، ويحكي لها كيف كانت تضحك عندما يغني بصوت سيئ، وكيف كانت تضع له الطعام في جيبه إذا خرج للعمل مبكرًا، وكيف كانت ترفض أن تنام وهي غاضبة منه.
وفي إحدى الزيارات، أخرج من درج صغير صورة قديمة لسعاد وهي شابة، وخلفها كتب بخط يده
لو فرّقتنا الأيام، هفضل أدور على طريق يرجعني لك.
سلمى قرأت العبارة، وبكت.
قال أبوها
كنت فاكر إن الحب لوحده يقدر يحمي الناس. ما فهمتش إن الحب من غير شجاعة ممكن يتحول إلى غياب طويل.
سلمى احتفظت بالصورة، لكنها لم تقل له إن أمها كانت تستحق أكثر من وعد لم يصل إليها.
كانت تحاول أن تتعلم

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *