الست اللي كانت بضحك للناس
كيف تضع الحزن في مكانه، لا أن تنكره، وكيف تحب أباها من جديد من غير أن تتجاهل ما فعله.
أما فاطمة، فقد ظلت تنتظر عودتها من كل زيارة. كانت تسألها عن صحته، وعن كلامه، وعن الأشياء الصغيرة التي كان يحبها.
وفي يوم، سألتها سلمى
إنتِ كنتِ بتحبيه؟
فاطمة رفعت رأسها بسرعة.
أبوكي؟ أيوه، كنت بحبه كأخ. هو وسعاد كانوا أقرب ناس ليا. لكن حبي ليهم ما كانش مبررًا إني أقرر بدلهم. كنت فاكرة إني بحميهم، وفي الحقيقة كنت باخد منهم حقهم في الاختيار.
سلمى ابتسمت بحزن.
يمكن دي أهم حاجة اتعلمناها كلنا.
فاطمة أومأت، ثم قالت
وأنا اتعلمت حاجة تانية. إن الإنسان ممكن يضحك للناس كل يوم، ويكون من جواه مكسور، لكن الضحكة مش دليل إنه بخير. ساعات الواحد بيضحك علشان ما يشرحش وجعه، وساعات بيضحك علشان يدي غيره أمل، وهو نفسه محتاج حد يطمنه.
سلمى أمسكت يدها.
من النهارده، لما تكوني زعلانة، قولي. مش لازم تبقي قوية طول الوقت.
فاطمة ضحكت ضحكة خفيفة، صادقة هذه المرة.
حاضر يا بنتي.
في صباح يوم جديد، رجع السوق إلى زحمته المعتادة.
صوت الباعة يتعالى، ورائحة الخبز الساخن تمتزج برائحة النعناع والبقدونس، والأطفال يركضون بين المحلات، والناس تتجادل على الأسعار، ثم تتصالح بعد دقائق كأن شيئًا لم يحدث.
كان عم جابر يرص صناديق الطماطم، وحازم يساعده، بعدما بدأ يتولى إدارة جزء من المخزن ويتعلم الحسابات على يد المحاسب الذي تعاقد معه التجار.
أما فاطمة، فكانت جالسة على كرسيها الأحمر، تبيع الخضار وتسمع حكايات الناس.
اقترب منها رجل فقير يحمل طفلًا صغيرًا، وقال بتردد
يا أم سلمى… معلش، أنا ناقصني شوية فلوس، والولد تعبان وعايز أجيب له أكل.
فاطمة نظرت إلى الطفل، ثم إلى الرجل.
لم تعطِه المال فقط، بل وضعت له بعض الخضار والخبز، وسألته عن عمله، ثم اتفقت معه أن يساعد حازم في المخزن يومين حتى يحصل على أجر يكفيه.
قال الرجل بامتنان
ربنا يجبر بخاطرك يا حاجة.
ابتسمت فاطمة، لكن هذه المرة لم تحاول أن تخفي تعبها خلف الضحكة.
ويجبر بخاطرك إنت كمان يا ابني. بس افتكر، لو الدنيا ضاقت بيك، اطلب المساعدة. ما تستناش لحد ما توصل لآخر الطريق.
مشى الرجل وهو يدعو لها، وبقيت فاطمة تراقبه حتى اختفى وسط الزحام.
جاءت سلمى وجلست بجوارها.
كانت تحمل صورة أمها، وقد وضعتها في إطار جديد. ثبتتها على الحائط الخلفي للدكان، بجوار صورة فاطمة القديمة.
تأملتا الصورتين معًا.
قالت سلمى
كنت فاكرة إن جبر الخاطر معناه إننا ندي الناس اللي ناقصهم فلوس، أو نقول لهم كلمة حلوة لما يزعلوا. لكني فهمت إن فيه خواطر بتتكسر من الكذب، ومن الغياب، ومن إننا نقرر بدل الناس بحجة إننا بنحميهم.
فاطمة أومأت.
أيوه. فيه چرح ما يداويهوش رغيف عيش، ولا كلمة طيبة لوحدها. فيه چرح محتاج اعتذار، وحقيقة، ووقت، وموقف يثبت إننا اتغيرنا.
سلمى نظرت إلى صورة أمها.
أمي كانت بتعرف تجبر خاطر الناس كلهم، لكن محدش قدر يجبر خاطرها وهي مستنية الحقيقة.
فاطمة أغمضت عينيها، ثم قالت
علشان كده لازم نكمل اللي كانت بتعمله. مش بس نطعم الجعان، لكن كمان نقف جنب المظلوم. مش بس نواسي اللي بيعيط، لكن كمان ما نكونش سبب في دموعه. ومش بس نحب الناس، لكن نكون صادقين معاهم.
في اللحظة دي، ظهر عم جابر يحمل صينية شاي، ووضعها أمامهما.
أهو الشاي جه. واللي عنده حكاية يحكيها، بس المرة دي من غير أسرار مدفونة!
ضحك حازم من بعيد
يا عم جابر، إنت أول واحد عنده أسرار في السوق كله!
رفع جابر يده مستسلمًا
خلاص يا سيدي، أنا تبت. من النهارده، لو شفت حاجة غلط هتكلم، ولو غلطت هعتذر، ولو حد احتاج مساعدة هقف جنبه. بس أوعى حد يطلب مني أحكي أسراري كلها مرة واحدة، دي محتاجة مسلسل تاني!
اڼفجر الجميع بالضحك.
ضحكت سلمى أيضًا، وضحكت فاطمة من قلبها، ضحكة لم تكن محاولة لإخفاء ۏجع، ولا وسيلة لإرضاء الناس، بل ضحكة امرأة بدأت تتصالح مع نفسها، وإن كانت لا تزال تحمل في قلبها آثار ما حدث.
وفي آخر النهار، بعدما انصرف معظم التجار، بقيت سلمى أمام الدكان، تنظر إلى الكرسي الأحمر الذي جلست عليه فاطمة سنوات طويلة.
تذكرت اختفاءها، والدفتر البني، والرسائل المجهولة، والليالي التي ظنت فيها أن الحقيقة ستسلبها كل من تحب.
لكنها اكتشفت أن الحقيقة، مهما تأخرت، تمنح الإنسان فرصة أن يرى الآخرين كما هم ليسوا ملائكة لا يخطئون، ولا شياطين لا يستحقون الرحمة، بل بشرًا يخطئون، وېخافون، ويجرحون، وأحيانًا يجدون الشجاعة ليصلحوا ما أفسدوه.
اقتربت فاطمة منها وسألتها
سرحانة في إيه؟
ابتسمت سلمى.
بفكر في اسم جديد للدكان.
فاطمة ضحكت.
يا ساتر! هو الدكان ناقص أسماء؟
أيوه. هنسميه جبر الخواطر.
فاطمة نظرت إليها طويلًا، ثم مسحت دمعة صغيرة تسللت إلى طرف عينها.
اسم حلو. بس أوعي تنسي إن جبر الخاطر مش اسم نعلقه على الحيطة، ده شغل لازم نعمله كل يوم.
سلمى أومأت.
عارفة.
ثم مدت يدها إلى فاطمة، وساعدتها على الوقوف، وسارتا معًا في الممر الذي عرف ضحكات الناس ودموعهم وأسرارهم.
وفي الخلف، ظلت صورة سعاد معلقة فوق الدكان، تراقب السوق في صمت.
كأنها أخيرًا اطمأنت أن ابنتها لم تعد وحدها، وأن الحكاية التي بدأت بالخۏف والكذب والغياب، انتهت ببداية مختلفة بداية فيها صدق، واعتذار، وقلوب تتعلم كيف تسامح من غير أن تنسى، وكيف تحب من غير أن تخفي الحقيقة.
لأن جبر الخواطر مش إننا نمنع الۏجع عن الناس بأي ثمن… جبر الخواطر إننا ما نكونش سبب وجعهم، وإننا لما نغلط نمتلك الشجاعة نعترف ونصلح، ولما نلاقي إنسانًا مكسورًا، ما نزودش كسره بكلمة قاسېة أو كڈبة مريحة.
أما فاطمة، الست اللي كانت بتضحك للناس، فقد تعلمت أخيرًا أن من حقها هي أيضًا أن تجد من يسمعها، ويجبر خاطرها، ويقول لها
مش لازم تفضلي قوية طول الوقت… إحنا هنا، ومش هتواجهي الدنيا لوحدك.