الست اللي كانت بضحك للناس

وقف في منتصف الممر، ورفع صوته
صباح الخير يا جماعة. أتمنى تكونوا فكرتوا كويس في العرض اللي قدمناه لكم. إحنا مش جايين نأذي حد، بالعكس، إحنا

بنقدم فرصة للكل علشان يخرج من هنا بمكسب محترم.
صاح عم ربيع من بعيد
مكسب إيه يا أستاذ نادر؟ إنت عايز تاخد أكل عيشنا وتدينا تمنه، وبعدين تقول لنا فرصة!
نادر ابتسم من غير ما يبص له.
يا عم ربيع، الدنيا بتتغير. السوق ده بقى قديم، والمكان يستحق مشروع أكبر. فندق ومحلات حديثة ومطاعم… والكل هيستفيد.
رد تاجر عجوز
وإحنا هنشتغل فين بعد ما تهد السوق؟
نادر فتح إيديه.
دي مسؤوليتكم، مش مسؤوليتي.
همهمة ڠضب انتشرت بين التجار.
في اللحظة دي، لمح نادر سلمى واقفة جنب دكان فاطمة، فثبت نظره عليها. اختفت الابتسامة من وشه لثانية واحدة، لكنه استعادها بسرعة.
إنتِ سلمى، صح؟
سلمى استغربت.
أيوه. تعرفني منين؟
سمعت عنك. بنت سعاد.
بمجرد ما نطق اسم أمها، حست سلمى إن صدرها اتقبض.
إنت تعرف أمي؟
اقترب نادر خطوة، وقال بنبرة محسوبة
والدتك كانت ست محترمة. الله يرحمها.
إنت كنت تعرفها؟
معرفة قديمة. كانت بتشتغل في السوق زمان، قبل ما الظروف تضطرها تمشي.
سلمى حدقت فيه.
هي ما مشيتش. هي ماټت.
نادر مال برأسه قليلًا.
كلنا ھنموت يا بنتي. لكن الأهم إن الواحد ما يفضلش عايش في الماضي.
كانت كلماته هادئة، لكنها نزلت على قلب سلمى كأنها ټهديد.
سألته فجأة
إنت تعرف فاطمة؟
نظر نادر إلى الدكان الفارغ، ثم عاد ينظر إليها.
فاطمة؟ أيوه، طبعًا. ست طيبة، لكن ساعات الطيبة بتخلي الواحد يتدخل في حاجات أكبر منه.
زي إيه؟
ابتسم.
اسأليها لما ترجع.
هي اختفت.
لأول مرة، ظهر شيء يشبه المفاجأة على وجهه، لكنه اختفى بسرعة.
اختفت؟ يمكن سافرت عند قرايبها.
صړخ عم جابر
فاطمة مالهاش قرايب تسافر لهم، وإنت عارف كويس!
الټفت نادر إليه، ونظر له نظرة باردة.
أنا ما أعرفش عن فاطمة غير إنها بائعة خضار. لكن لو حد عنده معلومات عن مكانها، الأفضل يبلغ الشرطة بدل ما ينشر إشاعات.
ثم أشار لرجاله، ففتح أحدهم ملفًا وأخرج مجموعة أوراق.
ودي آخر مهلة للتجار اللي لسه ما وافقوش على البيع. اللي مش هيمضي خلال يومين، الإجراءات القانونية هتبدأ ضده.
رمى الأوراق على طاولة قريبة، ثم استدار ليمشي.
لكن قبل ما يتحرك، وقعت عينه على الصندوق الخشبي اللي كانت فاطمة بتحط فيه البضاعة. توقف لحظة، وبص داخله.
سلمى لاحظت.
كان بيبحث عن شيء.
شيء مش موجود.
رفع نادر عينيه ناحية جابر وسأله
الصندوق ده كان مفتوح من إمتى؟
رد جابر بحذر
من الصبح.
وليه؟
معرفش. يمكن حد لعب فيه.
نادر فضل باصص له ثواني طويلة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
خلي بالك يا عم جابر. ساعات الحاجات القديمة بتكون قيمتها أكبر مما الناس متخيلة.
ومشي.
لكن جابر فهم من نبرة صوته إن نادر ما جاش علشان عقود البيع بس.
كان بيدور على الدفتر.
بعد ما نادر مشي، مسكت سلمى إحدى الأوراق اللي سابها رجاله. كانت إنذارًا رسميًا بإخلاء المحل، ومكتوب عليه اسم فاطمة كاملًا، مع إن فاطمة ما كانتش صاحبة محل مسجل بالشكل ده.
رفعت الورقة قدام جابر.
هو إزاي يقدر يطرد فاطمة من مكانها؟ دي قاعدة هنا من سنين!
جابر أخذ الورقة منها، وقرأها، ثم قال
لأن فيه ناس بتكتب على الورق اللي هي عايزاه، وبعدها تحاول تقنعك إن الكذب بقى حقيقة.
يعني إيه؟
تنهد جابر.
يعني إن نادر مش أول مرة يحاول يطرد حد من السوق. بس المرة دي الموضوع مختلف.
مختلف إزاي؟
بص حواليه، وتأكد إن محدش قريب منهم، ثم قرب منها وقال
فاطمة كانت بتجمع أوراق قديمة تثبت إن الأرض دي اتاخدت من أصحابها زمان بطرق مش سليمة. كانت بتقول إن فيه عقود مزورة، وشهود اتشتروا، وناس اتظلمت ومحدش سمع صوتها.
سلمى شهقت
وفاطمة كانت تعرف ده منين؟
جابر سكت.
عم جابر، أنا مش جاية ألعب معاك. أمي ماټت وهي شايلة سر، وفاطمة اختفت، ونادر أول ما شافني اتكلم عن أمي كأنه عارف عنها كل حاجة. أنا عايزة أفهم.
جابر بص في عينيها، وشاف فيهما خوفًا وغضبًا يشبهان عيني سعاد يوم كانت بتقف قدام دكان فاطمة قبل سنين طويلة.
قال بصوت منخفض
أمك كانت هنا يا سلمى. كانت بتشتغل في السوق، مش مجرد زبونة. وكانت هي وفاطمة أصحاب عمر.
أمي ما قالتليش إنها اشتغلت هنا.
لأنها كانت بتحاول تحميكي.
سلمى رجعت خطوة.
تحميني من مين؟
قبل ما يجاوب، ظهر شاب نحيف من خلف أحد المحلات، ووقف على مسافة منهم. كان اسمه حازم، ولد يتيم ربته ستات السوق، وكان بيشتغل في نقل الخضار وتنظيف المحلات مقابل أكل يومه. فاطمة كانت بتعامله كأنه ابنها، وتسيب له فلوس في جيبه من غير ما تحرجه.
قال حازم بسرعة
عم جابر… أنا لازم أكلمك.
جابر الټفت له.
خير يا حازم؟
الشاب بص لسلمى، وبعدين رجع لجابر.
لوحدنا.
سلمى ڠضبت.
أنا كمان بدور على فاطمة، وأي حاجة تعرفوها تخصني.
حازم اتردد، ثم قال
أنا شفت حاجة امبارح بالليل، ومش عارف أقولها ولا لأ.
جابر قرب منه.
شفت إيه؟
كنت راجع من المخزن بعد الساعة اتنين، وشفت باب السوق الخلفي مفتوح. كان فيه راجل بيجر شنطة كبيرة، وبعدها جه راجل تاني وساعده يحطها في عربية سودة.
سلمى مسكت دراعه.
وفاطمة؟ شفت فاطمة؟
ما شفتش وشها، بس سمعت صوتها.
جابر حس إن قلبه وقف.
سمعت إيه؟
حازم بلع ريقه.
كانت بتقول أنا هديكم الدفتر، بس سيبوا البنت في حالها.
سلمى سابت دراعه، وكأن حد ضربها على وشها.
بنت مين؟
حازم هز رأسه.
ما أعرفش. بس الراجل رد عليها وقال إنتِ مالكيش شروط دلوقتي. إنتِ اللي اتأخرتي سبع سنين.
سبع سنين.
نفس المدة اللي ماټت فيها سعاد.
سلمى حطت إيدها على فمها، وعيونها امتلأت بالدموع.
يعني فاطمة اتخطفت بسبب أمي؟
جابر ما ردش. كان عقله بيحاول يربط الكلام ببعضه. فاطمة قالت لهم إنها هتديهم الدفتر، لكن الدفتر كان لسه معاه. إذًا إيه اللي كانوا بيدوروا عليه؟ وهل كانت فاطمة بتتكلم عن دفتر تاني؟
سأل حازم
إنت متأكد إنك سمعت كلمة الدفتر؟
أيوه. وفاطمة كانت بټعيط، بس بتحاول ما ترفعش صوتها.
والعربية راحت فين؟
خرجت من الباب الخلفي ناحية الطريق القديم. بس قبل ما تمشي، الراجل اللي كان ماسك الشنطة بص ناحيتي. أنا خفت وجريت استخبيت ورا المخزن.
سكت لحظة، ثم أضاف
ولما العربية اتحركت، سمعت صوت خبط جاي من جوه الشنطة.
سلمى شهقت
خبط؟!
أيوه. كأن حد بيخبط بإيده على معدن أو خشب.
لم تعد سلمى قادرة على الوقوف. استندت إلى الطاولة، وبدأت تتنفس بسرعة.
جابر مسك كتفها.
اهدي يا بنتي، إن شاء الله هنلاقيها.
لكن سلمى كانت تسمع في عقلها صوت أمها وهي على فراش المۏت لو قابلتي فاطمة… قولي لها إني سامحتها.
ليه أمها تسامح فاطمة؟ وإيه الذنب اللي ارتكبته فاطمة؟ وليه نادر دخل في الموضوع؟
وفجأة، رفعت سلمى رأسها وقالت
أنا هروح لنادر.
جابر أمسك بذراعها.
لأ. مش دلوقتي.
إنت مش فاهم! الراجل ده يعرف حاجة. وأنا مش هسيبه يمشي كده.
ولو كان هو اللي ورا اختفاء فاطمة، يبقى عايزك تروحي له. عايزك تتكلمي، وتخافي، وتغلطِي.
سلمى حاولت تفلت إيدها.
أعمل إيه يعني؟ أقعد مستنية لحد ما ېقتلوها؟
كلمة ېقتلوها خرجت من فمها، فعمّ الصمت بينهم.
حتى حازم، اللي كان بيحاول يظهر شجاعًا، نزل عينيه للأرض.
جابر قرب من سلمى وقال
اسمعيني كويس. فاطمة مش ست سهلة، واللي يعرفها عارف إنها عمرها ما كانت بتسلم حاجة لحد من غير ما تفكر في العواقب. لو عندها دفتر، يبقى أكيد مخبية منه نسخة أو سايبة علامة توصلنا للحقيقة. لازم نفكر بعقلها، مش بخوفنا.
وإنت عرفت منين إن عندها دفتر؟
جابر اتجمد مكانه.
كانت أول غلطة منه.
سلمى لاحظت ارتباكه، واقتربت منه ببطء.
إنت شفت الدفتر، صح؟
جابر ما ردش.
عم جابر… إنت معاك الدفتر؟
بص لها طويلًا، ثم قال
أيوه.
مدت إيدها فورًا.
هاته.
رجع جابر خطوة.
مش هينفع.
ليه؟!
لأن فيه أسماء ناس ممكن ټتأذي لو الدفتر وقع في الإيد الغلط.
وأنا بنت سعاد! الاسم الأول المكتوب فيه هو اسم أمي، مش كده؟
سكت جابر، وكان سكوته كافيًا.
سلمى دموعها نزلت، لكن صوتها بقى أكثر ثباتًا.
إنت كمان هتخبي عني الحقيقة؟ كل الناس عارفة حاجة وأنا الوحيدة اللي مش فاهمة. أمي ماټت من غير ما تقول لي، وفاطمة اختفت بعد ما حاولت أسمع منها، وإنت ماسك الدليل ورافض تديني إياه!
قال جابر بحزن
أنا مش بخبي عنك علشان أوجعك. أنا بخبي عنك علشان خاېف عليكي.
كل اللي بيقولوا إنهم خايفين عليّ بيمنعوني أعرف الحقيقة!
لفت سلمى ومشت، لكن حازم جري وراها.
يا آنسة سلمى، استني!
وقفت من غير ما تلتفت.
قال حازم
أنا أعرف مكان ممكن نبدأ منه.
رجعت له ببطء.
فين؟
بيت فاطمة القديم.
كان بيت فاطمة في حارة ضيقة خلف السوق، بيت من دور واحد، بابه الخشب متآكل، وشباكه المطل على الزقاق دايمًا مفتوح. فاطمة كانت بتقول إن البيت ده مش مجرد جدران، ده المكان الوحيد اللي تقدر فيه تخلع ابتسامتها من غير ما حد يسألها مالها.
لما وصلوا، كان الباب مقفولًا، لكن حازم أشار إلى شباك جانبي صغير.
أنا كنت بدخل لها من هنا لما كانت تنسى المفتاح جوه.
سلمى بصت له باستغراب.
إنت كنت قريب منها أوي؟
ابتسم حازم بحزن.
هي اللي كانت قريبة مني. لما كنت صغير، كنت بسرق رغيف عيش من السوق علشان جعان. هي مسكتني مرة، وأنا افتكرت إنها هتضربني أو تسلمني للشرطة. لكنها أخدتني لدكانها، أكلتني، وقالت لي السړقة مش عيبها إنك فقير، عيبها إنك تفضل شايف نفسك حرامي حتى لما تقدر تبقى بني آدم أحسن.
سكت قليلًا، ثم أضاف
من يومها، عمري ما مدّيت إيدي على حاجة مش بتاعتي.
حازم دخل من الشباك وفتح الباب من الداخل.
البيت كان هادئًا، مرتبًا على غير المتوقع. طبق صغير فوق الطاولة، وكوب شاي جاف في قاعه، وطرحة معلقة على مسمار قرب الباب. على الحائط صورة قديمة لفاطمة وهي أصغر سنًا، تقف بجوار امرأة تحمل طفلة.
سلمى اقتربت من الصورة.
المرأة كانت أمها.
لم تكن الصورة واضحة تمامًا، لكن وجه سعاد كان لا يخطئه أحد. كانت تضحك، وعلى كتفها طفلة صغيرة ملفوفة ببطانية بيضاء.
همست سلمى
دي أنا؟
حازم قرب من الصورة.
أيوه. فاطمة كانت بتبص للصورة دي كل يوم.
سلمى مدت إيدها ولمست الزجاج، ثم لاحظت شيئًا غريبًا طرف الصورة من الخلف كان منتفخًا، كأن هناك ورقة مخبأة بين الصورة والإطار.
فكت الإطار بحذر، وأخرجت ورقة مطوية.
كان مكتوبًا عليها بخط سعاد
يا فاطمة، لو حصل لي حاجة، ما تخليش سلمى تكبر وهي فاكرة إن أبوها ماټ علشان سابنا. الحقيقة إن اللي حصل له كان أكبر مننا كلنا. نادر يعرف، والورق اللي معاه هو اللي ممكن يثبت كل حاجة. أوعي تسلمي البنت له، حتى لو اضطرّيتي تكسري وعدك

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *