الست اللي كانت بضحك للناس
ثم صمت.
لم يتكلم أحد.
سلمى كانت تنظر إلى جهاز التسجيل كأنها تنتظر أن يعود الصوت ويشرح لها ما لم تفهمه.
ده صوت فاطمة… أيوه، ده صوتها. بس التسجيل ما قالش إيه اللي حصل لأبويا.
جابر مسك الدفتر وبدأ يقلب صفحاته بسرعة. توقف عند صفحة مكتوب في أعلاها تاريخ يعود إلى سبع سنوات مضت، وقرأ بصوت منخفض
الليلة اللي اختفى فيها الملف، سلمت نادر النسخة المزورة علشان أشتري وقتًا. النسخة الأصلية مع سعاد. هو فاكر إنه انتصر، لكن الحقيقة لسه عايشة.
رفع جابر عينيه إلى سلمى.
فاطمة كانت بتلعب على نادر. كانت بتديله ورقًا مزورًا علشان تحمي النسخة الأصلية.
سلمى شهقت.
يعني توقيعها…
ممكن يكون على ورقة اتعملت ضمن الخطة، مش دليل إنها كانت بټخونه. لكن لسه لازم نعرف كل التفاصيل.
قلب صفحة أخرى، فوجد جملة مكتوبة بخط فاطمة، وتحتها دائرة حمراء
لو حصل لي حاجة، اسألوا عم جابر عن الليلة اللي رجع فيها أبو سلمى للسوق، وهو مصاپ، وطلب مني أخبي البنت.
جابر سقط الدفتر من إيده.
كل الوجوه اتجهت ناحيته.
سلمى وقفت ببطء.
عم جابر… إنت كنت تعرف أبويا؟
لم يرد.
إنت شفته قبل الحاډث؟
جابر وضع يديه على وجهه، وأطلق زفرة طويلة كأنها كانت محپوسة في صدره منذ سبع سنوات.
أيوه يا سلمى. شفته.
وإنت ما قلتليش ليه؟
رفع عينيه إليها، وكان فيهما ألم قديم.
لأن أبوكي ما ماتش في الحاډث اللي قالوا لكم عليه.
سلمى رجعت خطوة، وحازم أمسك بالكرسي حتى لا يسقط.
قال جابر بصوت متقطع
الليلة دي، أبوكي جه السوق وهو پينزف. قال لي إن عربية طاردته على الطريق، وإنه شاف نادر مع الراجل اللي كان ماسك الملف الأسود. طلب مني أوصله لفاطمة، وبعدها اختفى من قدامي. فاطمة قالت لي إنها هتتصرف، وإن لازم أرجع بيتي وأنسى اللي شفته.
اختفى إزاي؟ ماټ فين؟!
جابر هز رأسه.
ما أعرفش. والله ما أعرفش. فاطمة قالت لي بعد يومين إنه ماټ، وإنهم لقوا جثته بعيد عن الطريق، وإن الأفضل نسكت علشان نحميكي ونحمي أمك.
سلمى كانت ترتعش من الڠضب.
يعني طول السنين دي كنتوا عارفين إن فيه حاجة غلط، وسايبيني أعيش على كڈبة؟
جابر بكى لأول مرة أمامهم.
أنا كنت جبان يا بنتي. كنت خاېف على عيالي، وخاېف على السوق، وخاېف من نادر ورجالته. كل مرة كنت أقول لنفسي إن السكوت هيحمي الناس، كنت باكتشف إن السكوت بيحمي الظالم بس.
سلمى لم ترد. أخذت الصورة القديمة، وضمتها إلى صدرها، ثم خرجت من المخزن.
حازم همّ أن يلحق بها، لكن جابر أشار له أن يتركها قليلًا.
في الخارج، كانت شوارع السوق خالية إلا من أضواء قليلة تتسلل من المحلات المغلقة. وقفت سلمى عند الدكان الذي كانت فاطمة تجلس أمامه كل صباح، تضحك للناس، وتوزع الخضار، وتسمع همومهم كأنها أم لكل واحد فيهم.
همست
كنتِ عارفة كل ده يا فاطمة… ليه ما قلتيليش؟
لم يجبها أحد.
لكن في اللحظة نفسها، اهتز هاتفها برسالة جديدة من رقم مجهول.
فتحتها، فوجدت صورة مظلمة، يظهر فيها كرسي خشبي في غرفة ضيقة، وبجواره امرأة جالسة ويداها مقيدتان.
كانت فاطمة.
وتحت الصورة جملة واحدة
لو عايزة تعرفي أبوكي عايش ولا مېت، تعالي لوحدك للمخزن القديم قبل الفجر… وهاتي الدفتر.
سلمى شعرت بأن الډم انسحب من وجهها.
وفي أسفل الرسالة، ظهر سطر آخر جعلها تتراجع حتى اصطدمت بباب الدكان
ولو عم جابر عرف إنك جاية، مش هتشوفي فاطمة تاني.
رفعت عينيها نحو المخزن الذي خرجت منه منذ دقائق. كانت تعرف أن الذهاب وحدها قد يكون فخًا، لكنها لم تعد تبحث عن فاطمة فقط.
كانت تبحث عن أبيها.
أو عن قپره.
وفي مكان آخر بعيد عن السوق، داخل غرفة بلا نوافذ، كانت فاطمة جالسة على كرسي خشبي، ووجهها شاحب، ويديها مربوطتين خلف ظهرها.
وقف أمامها رجل لم يظهر وجهه كاملًا في الضوء، ووضع على الطاولة صورة سلمى وهي تخرج من مخزن عم ربيع.
قال الرجل
بنتك كبرت يا فاطمة… وبقت بتدور على الحقيقة.
رفعت فاطمة رأسها، ورغم التعب، ظهرت على شفتيها ابتسامة صغيرة.
سلمى مش بنتي.
اقترب الرجل منها وهمس
يمكن مش بنتك پالدم… لكن إنتِ عارفة كويس إنها بنتك بالذنب.
اختفت الابتسامة من وجه فاطمة.
ثم أخرج الرجل من جيبه صورة قديمة أخرى، ووضعها أمامها.
صورة رجل يبدو أكبر سنًا، بشعر أشيب ووجه نحيل، لكنه يشبه سلمى بشكل لا يمكن إنكاره.
فاطمة اتسعت عيناها، وبدأت دموعها تنزل بصمت.
قال الرجل
جه الوقت تعرفي إنك فشلتي في حمايتها… وإن الراجل اللي دفنتيه في قلبك من سبع سنين، لسه له حساب معانا.
ثم انحنى بالقرب من أذنها، وقال الجملة التي جعلت فاطمة تفقد قدرتها على الكلام
أبو سلمى لسه عايش… وهو اللي طلب إنك تختفي.
يتبع في الفصل الثالث والأخير…
الست اللي كانت بتضحك للناس
الفصل الثالث والأخير الحقيقة اللي رجّعت الضحكة
بقلم حروف تنبض
سلمى ما نامتش.
فضلت قاعدة على طرف السرير، ماسكة الموبايل بإيديها، وبترجع تبص للصورة اللي وصلتها كل شوية. صورة فاطمة وهي مربوطة على كرسي، وتحتها رسالة بتقول إن أبوها لسه عايش، وإن فاطمة هي اللي طلبت اختفاءها.
كل كلمة كانت بتفتح جرحًا جديدًا، وكل احتمال كان أصعب من اللي قبله.
أبوها عايش؟
يعني الراجل اللي كبرت وهي بتزور قپره في الأعياد، واللي أمها كانت بټعيط كل ما حد يجيب سيرته، ممكن يكون لسه بيتنفس في مكان ما؟ طب ليه سابها؟ وليه ما رجعش؟ وليه فاطمة خبّت عنها الحقيقة كل السنين دي؟
أما السؤال اللي كان بيوجعها أكتر من كل الأسئلة، فكان متعلقًا بأمها.
هل سعاد ماټت وهي عارفة إن جوزها عايش؟
هل فضلت مستنياه لحد آخر نفس، بينما الناس كلها كانت بتقول لها إنه ماټ؟
قامت من مكانها، ووقفت قدام المراية الصغيرة المعلقة على الحيطة. وشها كان شاحبًا، وعينيها محمرتين من السهر. افتكرت أمها وهي بتسرح لها شعرها وهي طفلة، وتقول لها
يا سلمى، أوعي تخلي الڠضب ياكل قلبك. اللي بيتوجع من الظلم، لازم يخلي وجعه سبب إنه ينقذ غيره، مش سبب إنه يظلم الناس.
وقتها كانت سلمى بتضحك وتقول
يعني لو حد ضړبني، ما أضربوش يا ماما؟
فترد سعاد
دافعي عن نفسك، بس ما تخليش اللي أذاكي يحوّلك لنسخة منه.
سلمى مسحت دموعها، وهمست
سامحيني يا أمي… أنا مش عارفة أعمل إيه.
رن الموبايل.
رسالة جديدة من الرقم المجهول.
المخزن القديم. الساعة أربعة قبل الفجر. الدفتر معاكي. ممنوع أي حد يعرف.
بصت للساعة. كان باقي أقل من ساعتين.
قامت، ولبست ملابسها، وحطت صورة أبيها وأمها في شنطتها. لكنها قبل ما تخرج، رجعت للرسالة مرة تانية، وافتكرت ټهديد الرجل لو عم جابر عرف، مش هتشوفي فاطمة تاني.
كانت عارفة إن الذهاب وحدها مخاطرة، وإن اللي بيحصل أكبر منها، لكن فكرة إن فاطمة ممكن تتعذب بسببها كانت بټخنقها.
وفي اللحظة اللي فتحت فيها الباب، سمعت صوتًا جايًا من السلم
رايحة فين يا سلمى؟
اتجمدت.
كان عم جابر واقفًا تحت، لابس جلابيته، وفي إيده كيس ورقي صغير.
نزلت له وهي بتحاول تخبي ارتباكها.
رايحة أتمشى شوية.
بص لها في عينيها، ثم قال
في الساعة دي؟ والشنطة على كتفك؟ يا بنتي، أنا كبرت، لكن لسه بعرف أفرق بين اللي رايح يتمشى واللي رايح يقابل مصېبة.
سلمى سكتت.
مد جابر إيده بالكيس.
خدي، دي سندوتشات جبنة. عارف إنك ما أكلتيش من امبارح.
السؤال البسيط ده كسر شيئًا داخلها. لأول مرة من بداية الحكاية، شعرت إن هناك شخصًا يهتم بها من غير ما يطلب منها مقابلًا.
دمعت عيناها.
يا عم جابر، أنا لازم أروح.
عارف.
رفعت رأسها باستغراب.
عارف إيه؟
عارف إنهم بعتوا لك رسالة، وعارف إنك ناوية تروحي المخزن القديم. لأن اللي خطڤ فاطمة مش عايز الدفتر بس، هو عايزك إنتِ كمان.
سلمى تراجعت خطوة.
إنت عرفت منين؟
أخرج جابر هاتفه، وأراها رسالة وصلته قبل دقائق، فيها صورة للمخزن القديم وكلمة واحدة تعالوا.
قال
الرسالة دي وصلتني من رقم مجهول. واضح إنهم عايزين يجمعونا كلنا في مكان واحد.
يبقى ما نروحش!
لو ما رحناش، ممكن يأذوا فاطمة. ولو رحنا من غير ما نفكر، ممكن يأذونا كلنا. علشان كده هنروح، لكن مش هنروح بالطريقة اللي هما عايزينها.
في اللحظة دي، ظهر حازم من آخر السلم، وهو يلهث.
أنا كمان جاي.
سلمى اعترضت
لأ يا حازم. الموضوع خطړ.
رد الشاب، وعينيه ثابتتان
فاطمة كانت بتعتبرني ابنها. يوم ما كنت جعان، هي اللي أكلتني. ويوم ما كنت ضايع، هي اللي وقفت جنبي. مش هسيبها دلوقتي علشان خاېف على نفسي.
عم جابر وضع يده على كتفه.
الرجولة مش إنك ما تخافش يا حازم. الرجولة إنك تعرف إنك خاېف، وبرضه ما تسيبش صاحبك لوحده.
ثم أخرج جابر الدفتر البني.
الدفتر ده هو اللي عايزينه، لكن إحنا مش هنسلمهم الحقيقة كلها في ورقة واحدة. عندنا نسخة من الأوراق، وعندنا التسجيل، وعندنا أسماء الناس اللي اتظلمت. هنحافظ على الأدلة، وهنبلغ الشرطة قبل ما نتحرك.
سلمى نظرت إليه بدهشة.
إنت هتبلغ الشرطة؟
أجابها
أيوه. كفاية سكوت. سبع سنين وأنا بقول لنفسي إن السكوت بيحمي الناس، وطلعت بحمي اللي ظلمهم.
كان المخزن القديم قائمًا عند طرف منطقة صناعية مهجورة، بعيدًا عن السوق، تحيط به أراضٍ فضاء وأسوار متآكلة. المكان الذي كان يومًا يعج بعربات النقل والعمال أصبح أشبه بجسد عجوز نسيه الجميع.
وصلت سلمى وعم جابر وحازم قبل الرابعة بقليل. لم يدخلوا مباشرة. توقفوا عند مبنى مهجور على الجانب الآخر من الطريق، وراقبوا المخزن من خلف سور منخفض.
كانت هناك سيارة سوداء أمام الباب، وسيارة أخرى تقف قرب المدخل الجانبي.
همس حازم
نفس العربية اللي شفتها في السوق.
جابر أومأ برأسه.
يبقى إحنا في المكان الصح.
سلمى كانت تضغط على حزام شنطتها، وفي داخلها نسخة من الدفتر وبعض الأوراق التي احتفظوا بها، لكنها لم تكن تحمل الأصل. أصل الدفتر ظل محفوظًا في مكان آمن بعد أن اتفقوا على تسليم نسخة مصورة للشرطة.
لم تكن تعرف هل هذا سيكفي لحماية فاطمة، لكنها كانت تعرف أنها لن تعود قبل أن تراها.
في الرابعة تمامًا، انفتح باب المخزن.
ظهر رجل طويل يرتدي معطفًا داكنًا، ونظر إلى الطريق، ثم أشار لهم بيده.
خرج عم جابر من خلف السور أولًا، وتبعته سلمى وحازم.
قال الرجل
فين الدفتر؟
رد جابر
فين فاطمة؟
ابتسم الرجل بسخرية.
كل حاجة في وقتها.
سلمى تقدمت خطوة.
أنا سلمى. إنتوا بعتوا لي الرسالة. أنا جيت. ورّوني فاطمة.
الرجل نظر إليها من رأسها حتى قدميها.
عندك جرأة أكبر مما توقعت.
وأنا عندي أسئلة أكبر من قدرتك على الإجابة. فين أبويا؟
للحظة، تغير وجه الرجل. نظر إلى شخص يقف داخل المخزن، ثم عاد إليها.
ادخلي، وهتعرفي.
دخلت سلمى، وخلفها عم جابر وحازم. كانت رائحة الرطوبة والحديد الصدئ تملأ المكان، والمصابيح القليلة تتدلى من السقف، تلقي ظلالًا طويلة