الست اللي كانت بضحك للناس
عم جابر، إنت هتحقق معايا ولا هتشتري مني كيلوين بطاطس؟
ضحك الرجل، لكنه ما اقتنعش.
وبينما كانت فاطمة بتفرد قطعة القماش فوق الفرشة، وقفت عربية سوداء فخمة عند أول السوق، ونزل منها شاب لابس بدلة غالية وساعة لامعة، وورا منه راجلين ضخمين.
الشاب ده كان اسمه نادر، والناس في السوق كلها تعرفه، حتى اللي ما شافوش قبل كده.
كان رجل أعمال بيشتري الأراضي والمحلات القديمة، ويجمعها لحساب شركة كبيرة ناوية تغيّر شكل المنطقة كلها. بالنسبة له، السوق ده مجموعة مبانٍ متهالكة واقفة في طريق مشروع مربح، أما بالنسبة للناس اللي عايشة فيه، فكان عمرهم كله وذكرياتهم وأكل عيالهم.
نادر وقف في منتصف الشارع، وبص للمحلات بملل، ثم أشار لواحد من رجاله.
المحل ده اتفقنا مع صاحبه؟
رد الرجل
لسه يا باشا. الراجل طالب مبلغ كبير.
نادر هز راسه بضيق.
ماشي. خلّيه يفهم إن مفيش حد هيقعد هنا كتير. اللي هياخد فلوسه ويمشي، يبقى كسبان. واللي هيعاند، هو حر.
ثم وقعت عينه على فرشة فاطمة.
اقترب منها، وبص للبضاعة كأنه بيبص لحاجات ملهاش قيمة.
إنتِ فاطمة؟
رفعت رأسها بابتسامتها المعتادة.
أيوه يا بيه، تحت أمرك. تحب كيلو طماطم ولا كيلو مشاكل؟
لم يضحك نادر.
أنا جاي أتكلم معاكي في موضوع الفرشة دي.
خير يا بيه؟
السوق كله هيتنقل قريب. فيه مشروع جديد، ولازم المكان يفضى.
فضلت فاطمة ساكتة لحظة، ثم قالت
يتنقل فين؟
ده مش موضوعك. إنتِ ليكي تعويض، تاخديه وتدوري على مكان تاني.
سألته بهدوء
والناس اللي هنا من عشرين وتلاتين سنة؟ واللي رزقهم كله في السوق؟ هيروحوا فين؟
رد ببرود
دي مش مسؤوليتي.
ابتسمت فاطمة، لكن ابتسامتها المرة دي ما وصلتش لعينيها.
أمال مسؤولية مين يا بيه؟
اقترب منها خطوة.
بصي يا ست فاطمة، أنا مش بحب أكرر كلامي. قدامك كام يوم، وبعدها المكان ده لازم يفضى.
كانت أصوات السوق بدأت تهدى، والناس تتجمع من بعيد، وكل واحد خاېف يتكلم.
فاطمة بصت حواليها، شافت عم جابر واقف ماسك عربية العرقسوس بتاعته، وشافت أم سيد بتبيع الجبن، وشافت عم رمضان اللي عنده ستين سنة وبيصلح الأحذية من وهو طفل.
كل وش فيهم كان حكاية.
وكل حكاية كانت متعلقة بالمكان ده.
رجعت تبص لنادر وقالت
يا بيه، أنا مش هقول لك إنك ظالم، لأن يمكن إنت شايف الموضوع من ناحية تانية. بس افتكر إن كل واحد هنا وراه بيت، وورا البيت عيال، وورا العيال أحلام. لما تشيل الفرشة من تحت راجل، إنت مش بتشيل خشب وقماش، إنت ساعات بتشيل آخر حاجة واقف عليها.
ضحك أحد الرجلين اللي مع نادر بسخرية.
يا سلام على الخطب! هو إحنا جايين نسمع مواعظ؟
بصت له فاطمة، ثم رجعت لنادر.
أنا خلصت كلامي يا بيه. ولو حضرتك عايز تاخد المكان بالقوة، اعمل اللي إنت شايفه. بس ما تقولش بعد كده إنك ما كنتش عارف الناس دي هتروح فين.
نادر بص لها نظرة طويلة، ثم قال
واضح إنك فاهمة نفسك غلط.
ردت وهي ترتب حبات الخيار
لا يا بيه، أنا عارفة نفسي كويس. أنا ست على باب الله، لا عندي شركة ولا محامي ولا حد يسندني. بس عندي ضمير، وده لحد دلوقتي ما عرفتش أبيعه.
اتغير وش نادر، لكنه ما ردش.
ركب عربيته ومشي، وساب وراه سوقًا مليانًا بالقلق، وستًا رجعت تبيع الخضار وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن عم جابر كان عارف إن فاطمة لما تتكلم بالطريقة دي، يبقى جواها حاجة أكبر بكتير من مجرد فرشة مھددة بالإزالة.
قرب منها وسألها بصوت واطي
إنتِ تعرفي نادر منين يا فاطمة؟
اتجمدت إيدها للحظة.
ما أعرفوش.
أمال ليه لما شافك، حسيت إنه كان مستني
يقابلك؟
رفعت رأسها إليه.
إنت بتقول إيه يا عم جابر؟
أنا شفت عينيه. الراجل ده ما كانش بيتكلم عن الفرشة بس. كان فيه حاجة تانية.
سكتت فاطمة، ثم أخذت نفسًا عميقًا.
يا عم جابر، لو سمحت، ما تفتحش باب اتقفل من سنين.
فهم من نبرتها إن الموضوع أكبر مما تخيل، لكنه لم يضغط عليها.
مرت الساعات، والسوق رجع تدريجيًا لحركته المعتادة. الباعة ينادون على بضاعتهم، والزبائن يتجادلون في الأسعار، والأطفال يجرون بين الفرشات.
وفاطمة تضحك.
تضحك مع أم سيد، وتضحك للزبائن، وتضحك حتى لما ولد صغير وقع منه كيس البرتقال واتدحرج في الشارع، فساعدته يجمعه وهي تقول
البرتقال قرر يعمل جولة في السوق من غير إذنك يا حبيبي!
لكن في كل مرة كانت تضحك فيها، كان عم جابر يلاحظ إنها بتبص ناحية مدخل السوق، كأنها مستنية حد يظهر، أو خاېفة من حد يظهر.
وقبل المغرب بقليل، جاءت فتاة في أواخر العشرينيات، ترتدي ملابس سوداء، ووجهها شاحب من التعب. وقفت أمام فرشة فاطمة، وظلت تنظر إليها من غير كلام.
فاطمة كانت بتوزن كيس بطاطس لزبون، لكنها لما رفعت عينيها وشافت الفتاة، سقطت منها الملعقة المعدنية.
الفتاة قالت بصوت مرتعش
مساء الخير يا طنط فاطمة.
فاطمة لم ترد.
حاولت تبتسم، لكن شفايفها ما أطاعتهاش.
سلمى؟
هزت الفتاة رأسها.
أيوه، أنا سلمى.
اقتربت فاطمة منها، ثم توقفت قبل أن تمد يدها.
إنتِ كبرتي يا بنتي.
ردت سلمى بمرارة
وإنتِ لسه زي ما إنتِ. بتضحكي للناس، وتخبي الحقيقة.
الزبون اللي كان واقف قدام الفرشة أخذ كيسه ومشي بهدوء، وعم جابر ساب عربيته واقترب بحذر.
فاطمة حاولت تتكلم.
تعالي نقعد ونتكلم بعيد عن الناس.
لكن سلمى رفعت صوتها
لا! أنا مش جاية أقعد معاكي. أنا جاية أسألك سؤال واحد، وعايزة إجابة واضحة.
تجمّع بعض الباعة حولهما.
فاطمة بصت للوجوه، ثم رجعت لسلمى.
اسألي يا بنتي.
سلمى كانت بتحاول تحبس دموعها، لكن صوتها كان مليان ڠضب سنين طويلة.
إنتِ ليه ما قلتيش الحقيقة من يوم ما أمي ماټت؟
فاطمة شهقت، كأن حد ضربها في صدرها.
يا سلمى…
قاطعتها الفتاة
ما تقوليش اسمي بالطريقة دي! أنا عشت عمري كله فاكرة إن أمي ماټت وهي مکسورة، وإنك كنتِ السبب في اللي حصل لها. وكل مرة كنت أسأل عنك، يقولوا لي إنك ست غلبانة وطيبة وبتساعدي الناس. وأنا كنت بقول لنفسي مستحيل! الست اللي ضيعت حياة أمي، إزاي تبقى طيبة؟
عم جابر حاول يتدخل
يا بنتي، استهدي بالله. يمكن فيه حاجة إنتِ ما تعرفيهاش.
التفتت إليه سلمى.
حضرتك تعرف حاجة عن أمي؟
سكت عم جابر.
رجعت سلمى تبص لفاطمة.
أنا دورت وراكي سنين. سألت في كل مكان، لحد ما عرفت إنك لسه هنا. وجيت النهارده عشان أسمع منك إنتِ. أمي كانت بتقول اسمك وهي بټعيط في آخر أيامها. قالت إنك خذلتيها، وإنك كنتِ آخر واحدة ممكن تساعدها، لكنك سيبتيها تقع.
دموع فاطمة نزلت لأول مرة قدام الناس، من غير ما تحاول تخبيها.
قالت بصوت ضعيف
أمك كانت أغلى عندي من روحي.
ضحكت سلمى ضحكة موجوعة.
أغلى من روحك؟ أمال ليه ماټت لوحدها؟
لم تستطع فاطمة الرد.
سلمى أخرجت من حقيبتها ورقة مطوية، ووضعتها فوق صندوق الخضار.
أنا معايا دليل. دليل إنك كنتِ عارفة اللي بيحصل، وإنك سكتّي. ولو فاكرة إن الناس هتفضل شايفاكي الست الطيبة اللي بتضحك لكل الناس، فأنا هخليهم يعرفوا حقيقتك.
ثم استدارت لتغادر.
نادتها فاطمة
سلمى، استني!
لكن سلمى لم تلتفت.
وقفت فاطمة مكانها، تحدق في الورقة التي تركتها الفتاة، ويداها ترتعشان.
اقترب عم جابر منها.
افتحي الورقة
يا فاطمة.
هزت رأسها ببطء.
مش قادره.
ليه؟
همست
عشان لو اللي جواها هو اللي أنا خاېفة منه، يبقى كل اللي بنيته في السنين دي انتهى.
مد عم جابر يده وأخذ الورقة،