الست اللي كانت بضحك للناس

الست اللي كانت بتضحك للناس
بقلم حروف تنبض
الفصل الأول الضحكة اللي وراها حكاية
في سوق شعبي قديم في إسكندرية، بين محلات السمك اللي ريحتها بتسبق أصحابها بخطوتين، وفرش الخضار اللي ألوانه بټخطف العين، وصوت البياعين اللي بيتخانقوا على الزبون كأنهم بيتخانقوا على آخر لقمة عيش في الدنيا، كانت فيه ست اسمها فاطمة، محدش في السوق كله شافها يوم من غير ضحكة.
فاطمة ما كانتش أجمل ست في السوق، ولا أغناهم، ولا حتى أشطرهم في البيع والشراء، لكنها كانت أكتر واحدة الناس بتحب تعدي عليها، حتى لو مش محتاجين يشتروا منها حاجة.
كانت قاعدة كل يوم على فرشة صغيرة عند ناصية الشارع، قدامها شوية خضار وفاكهة على قد الحال، وصندوق خشب قديم بتحط فيه الفلوس، وكرسي بلاستيك أحمر رجله مکسورة، كانت مسنّداه على حتة طوب عشان ما يقعش بيها.
وأول ما تشوف حد معدي، تنادي عليه بصوتها اللي كله حنية
تعالى يا سيدي، تعالى يا حبيبي، خدلك حاجة حلوة تفك بيها وشك. هو إحنا هنعيش كام يوم عشان نفضل مكشرين؟
ولو زبون وقف يتفرج ومش معاه فلوس كفاية، كانت تضحك وتقول
خد اللي إنت عايزه، والباقي لما ربنا يفرجها. هو إحنا بنبيع لبعض ولا بنعيش مع بعض؟
ولو شافت طفل واقف يبص على الموز، كانت تختار له واحدة وتديهاله.
خد يا سيدي، دي هدية من طنط فاطمة. بس أوعى تقول لمامتك إني بوظت تربيتك وعودتك على الدلع.
والطفل يضحك، وهي تضحك، وأمه تدعيلها، وفاطمة ترجع ترتب بضاعتها كأنها ما عملتش حاجة تستاهل الشكر.
لكن الغريب إن الست اللي كانت بتعرف تضحك السوق كله، ما حدش كان يعرف عنها حاجة حقيقية.
ما حدش يعرف ساكنة فين بالضبط، ولا عندها مين، ولا ليه عمرها ما بتتكلم عن جوزها، ولا ليه لما حد يسألها عن أولادها، ضحكتها بتقف لحظة صغيرة قبل ما ترجع تاني.
كانت دايمًا تقول
أنا يا حبيبي ماليش غير ربنا، والناس الطيبة اللي زيكم.
وبعدها تغيّر الموضوع، وتسأل الزبون عن حاله، كأن السؤال عن حياتها باب لازم يفضل مقفول.
في السوق، كان فيه راجل عجوز اسمه عم جابر، بيبيع عرقسوس وتمر هندي من عربية خشب قديمة، وكان أقرب واحد لفاطمة. يعرفها من أكتر من عشر سنين، وشافها في أيام كانت بتبيع فيها كويس، وأيام كانت بتقعد لحد المغرب من غير ما تبيع غير حزمة بقدونس وكام ثمرة طماطم.
ومع ذلك، عمره ما شافها بتشكي.
كان يقول لها
يا فاطمة، أنا ساعات بحس إنك بتضحكي عشان ما تعيطيش.
فترد عليه وهي بتقلب حبات الطماطم
يا عم جابر، هو العياط هيجيب فلوس؟
فيقول
مش كل حاجة فلوس يا بنتي.
فتبص له وتضحك
عارفة يا عم جابر. بس الفلوس لما بتغيب، حاجات كتير بتغيب معاها.
وكان يسكت، لأنه كان عارف إن وراء الكلام ده حكاية طويلة، وإن فاطمة مش من النوع اللي يفتح قلبه لمجرد إن حد سأله.
في يوم من الأيام، صحيت إسكندرية على مطر خفيف، والجو كان برد والبحر هائج، والناس ماشية مستعجلة تلحق مصالحها قبل ما المطر يزيد.
وصلت فاطمة السوق متأخرة عن عادتها بساعة كاملة.
كانت شايلة شوال خضار على كتفها، وبتجر رجليها كأنها شايلة هموم الدنيا كلها، لكن أول ما شافت عم جابر، رفعت إيدها وقالت
صباح الفل يا كبير السوق! هو إنت لسه عايش؟ أنا قلت المطر أخدك ورماك في بحري!
ضحك عم جابر، لكنه لاحظ شحوب وشها.
مالك يا فاطمة؟ إنتِ تعبانة؟
تعبانة إيه بس؟ ده أنا زي الفل. بس نمت متأخر شوية.
متأخر ليه؟
حطت الشوال على الأرض، وبدأت ترتب الخضار.
كان عندي مشوار.
مشوار في نص الليل؟
رفعت عينيها له بسرعة، ثم ابتسمت.
يا

1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *